‏إظهار الرسائل ذات التسميات مؤسسة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مؤسسة. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 24 يناير 2016

بلا دية ... بلا ثمن

بلا دية ... بلا ثمن

"الشعب يريد إسقاط النظام"
لكن النظام لا يسقط
إنه يستمر ويستمر ويستمر
يجدد دماءَه بدماء ضحاياه، ودماء لم يقتلها.
يغير النظام وجوهه التي رحلت أو ماتت أو توارت في الظل، ويُسكن البعض الآخر مساكن المعارضة القديمة، ليلعب لعبة وجه العملة وقفاها.
النظام يعيد تقسيم دوائر المجتمع، يعيد بناء الحواجز، ويسمح بمساحات بينية ضئيلة، تشبه الشقوق بين أحجار الأسوار، ليتحرك عبرها الباقون على قيد الحياة خارج الزنازين.
منذ نصف قرنٍ وبضع سنوات، غضب النظام على اليسار، فدجن البعض وأسكن الكثير فسيح زنازينه، كان الرفاق يجلدون والرفاق الآخرون يكتبون شعرًا وفنًا ومسرحًا وأدبًا بالجملة، بعد أعوام سيتغنى كل اليسار بقدرته على العطاء (الثوري) حتى في لحظات المحن.
النظام يسجن ويُسكن، يسجن البعض في زنازين الذين ظُلِموا ويُسكن أصدقاءهم مساكن الذين ظَلَموا، ليبكِ أصدقاء الأولين عليهم ويختصرون (الثورة) في الدفاع عن أصحابهم.
النظام يحول الثورة إلى أدب غير ضار، ويفتح الأبواب ليشكل فقاعات الثقافة المُجملة للقمع، في المقابل يموت آخرون بلا دية أو ثمن، يموتون دون أن يبكيهم أحد.
بعد خمس سنوات يصير معارفنا السابقون وجوه داخل النظام، تتغير الكروش الوارمة الجالسة على مقاعد المؤسسات ليصير فوقها أصدقاء الأمس، بعد 10 سنوات سيتغنى الجميع بالمنجز الثقافي، المنجز الذي يعني نجاح النظام في تحويل الضغط المتراكم إلى فن وديع كقطٍ مخصي في ليالي الشتاء.
النظام يحول الثورة إلى علبة مناديل، إلى مفرش بألوان العلم، إلى بطانية وطنية، إلى كارت الشهداء بجنيه، إلى رواية بست سِلّر، إلى مشروع خيري، النظام يحول الثورة إلى مجرد تسمية رومانطيقية وذكرى يتطوح فيها الدروايش على مواقع الشبكات الاجتماعية، النظام لا يخشى تلك الأشياء كلها.

خارج حدود النظام يوجد آخرون بلا وجوه، لا دية لهم ولا ثمن ولا ذكر، رأيناهم لحظات عابرة ثم اختفوا، يحيون خارج قواعد النظام، ربما يقلبون النظام على رؤوس الجميع في يومٍ قريب.

الأحد، 14 سبتمبر 2014

عن القهر والانتحار والخوف



عن القهر والانتحار والخوف
ياسر عبد الله
(تويتات مجمعة ومرتبة)
ما بقاش ينفع تدخل الحيط، أينما تكونوا يدرككم القهر، لو تعبت ابعد شوية وارجع، حياتك مش هتبقى أحلى لو بطلت كلام في السياسة عشان مش هي دي المشكلة، مش المشكلة إن فيه ناس بتهري في السياسة، المشكلة إن الساسة بيتحكموا في حياة ملايين من غير حساب وإنت من ضمن الملايين دول، لو ما سمعتش سياسة على تويتر، وإنت راكب ميكروباص هتشوف القهر بالصدفة لمجرد إن أمين شرطة قرفان بالليل من وقفة الكمين وله سلطة على حياتك قرر يقهرك.
ممكن تنسى منظومة القهر، لكنها هتقتحم حياتك وهتفكرك، فهتلاقي ميول انتحارية ظهرت، ودا طبيعي، الميول الانتحارية طبيعية في منظومة قهر لكن مش هي الحل.
بدل ما تؤذي نفسك عشان اكتشفت منظومة القهر وإنت ماشي بالصدفة، استرد حقك من اللي أذوك وبيؤذوك ويؤذوا غيرك لمجرد إن لهم سلطة يعملوا كدا.
ما حدش فينا بيختار يكتئب، ما حدش فينا اختار يبقى عنده مشاكل نفسية، لكن دي مش جريمة حد فينا برضهن كلنا اتولدنا عشان نلف زي التيران في الساقية، كلنا عاوزين نبتسم للحياة ونشوفها وردية، لكن الحياة الوردية مش هتيجي بدهان صندوق الزبالة وتخيله فازة ورد، الحياة الوردية هتيجي بنسف الزبالة من أساسها، ما حدش فينا مبسوط بإن جواه طاقة كراهية، كُتب علينا وهو كُره لنا، نفسنا في طاقة محبة، لكن المحبة الزائفة اللي بترضى بالظلم وتزيفه وتزينه ما تلزمناش.
كلنا مظاليم من أول ما اتولدنا، لا اخترنا أب ولا أم ولا فقر ولا بلد ولا بيت ولا دراسة ولا دين، وفوجئنا أول ما فتحنا عينينا إننا بنتحاسب على دا وحساسيتنا تجاه الظلم مختلفة، فيه ناس زيي بتختار تشتم وتزعق وتتنرفز وفيه ناس احتمالها أكبر، ما تحاسبوش الناس على مزاجهم قبل ما تعرفوهم.
فضفضوا لبعض وانسوا لبعض، اللي بيفضفض لك في لحظة بعبعة مش عاوز يسمع البعبعة اللي قالها تاني، اسمعها واهتم بيها وافهمه وطبطب عليه بس ما تفكروش.
احنا عايشين حياتنا خايفين، بنبوس واحنا خايفين، بنحب واحنا خايفين، بننام واحنا خايفين نصحى ما نلاقيش الملاليم اللي بنقبضها، فمش طالبة نقعد نستجوب بعض ونخاف من بعض.

*تم التنسيق باستخدام الخط الأميري.

الأحد، 8 يونيو 2014

في النصب والانتصاب


في النصب والانتصاب

ياسر عبد الله

تأصيل لغوي:

ن ص ب: (نَصَبَ) الشيءَ أقامه وبابه ضَرَبَ و(المَنْصِبُ) بوزن المجلس الأصل وكذا (النِصَابُ) بالكسر.
و(نَصِبَ) تَعِبَ وبابه طَرِبَ، وهمٌ (نَاصِبٌ) أي ذو نَصَبٍ كرجل تامر ولابن، وقيل هو فاعل بمعنى مفعول فيه لأنه يُنْصَبُ فيه ويتعب كَلَيْلِ نائم أي يُنام فيه ويوم عاصف أي تَعصِفُ فيه الريح، و(النَّصْبُ) بوزن الضَّربِ ما نُصِبً فعُبِدَ من دون الله وكذا (النُّصْبُ) بوزن القُفْلٍ وقد تضم صاده أيضًا والجمع (أنصاب)، و(النُصْبُ) أيضًا الشر والبلاء ومنه قوله تعالى {بِنُصبٍ وعَذَابٍ}
                                                                                                                   مختار الصحاح
                                                                                                                 مادة ن ص ب.

مفتتح:

ليس لدى المارشال من ينصبه لذا يبحث عمن يناصبه العداء، ويخوض، هو الذي لم يخض حربًا قط، حربًا مع أشباحه، أشباح مركبة منحته شرعيات متراكبة متراكمة في مراحل مختلفة من حياته وأيام صعوده.
حربه الأولى مع شبح رئيس منحه شرعيته كوزير دفاع، رئيس خلعه فيما بعد من منصبه لكنه فشل في خلعه من رأسه، فظل ينصبه ويناصبه كطيف طارق يطارده، مرة بطلب تفويض شعبي يواجه به شبح شرعية الصندوق ومرة أخرى بمد أيام التصويت ثلاثًا ليتغلب، ولو بالتمديد والإطالة على عدد مصوتي الرئيس الذي منحه شرعية وزير الدفاع وقائد الجيوش ليخلعه بذات الشرعية، وشبح المؤسسة، تلك التي ترشح وهو يرتدي بزتها وهو يعلم علم اليقين أن هالته تكمن في بيادتيه وكتافاته، فظلت هالته العسكرية شبحًا يطارده، فلم ينس أن يرقِ نفسه إلى رتبة المشير بعد أن منحته المؤسسة تفويضها وشرعيتها، يرتقي بنفسه ليعلو في التراتب العسكري على آخر رئيس من داخل المؤسسة، المخلوع الفريق أول محمد حسني مبارك.
لكن أسوء أشباح المارشال شبحًا كامنًا، يجتاح شرق المتوسط مثلما اجتاح شبح الشيوعية أوروبا في مفتتح البيان الشيوعي، شبح لم يفوضه ولم يمنحه شرعية لكنه أنشئ الوضع الذي صعد به إلى سُدة الحكم، شبح الميدان الذي أدعى من سبقه الحلفان أمامه، لذا يستبدل المارشال جموع الرؤوساء بجموع الميدان، الميدان الذي لا يملك الاعتراف به، يعرفه مؤيدوه كنكسة، ولا يملك إنكاره، شبح كامن يذكره بولائه للفريق أول المخلوع مهما حلفت له جريدة العساس البريطانية بأغلظ الأيمان، يعلم جيدًا أنه لو لم يعترف بشرعية الميدان ولو اسمًا عليه أن ينكر شرعيته نفسها.
وحدهم مؤيدوه من المارشالجية لن يروا تلك الحرب الخفية التي يخوضها مارشالهم ضد أشباحه لأنهم يحاربون أشباحهم الأُخَر.

حاشية واصطلاح:

مارشالجية على نحو عرضحالجية وعربجية وبلطجية، اصطلاح مُركب من مارشال، وهو اسم أعجمي لرتبة المشير، وزائدة جي الموروثة من العثمانية والدالة على المهنة، يحب المارشالجية صيغة النسب (جي) ويكثرون من استخدامها، على نحو ينايرجية ويسارجية وغيرهم، ويُسَرون من الألفاظ الأعجمية، هم الذين سخروا من مرسي حين أفتي بأن الجاز والكحول don't mix، لكنهم لا يكفون عن تحذير أطفالهم من مسح ال nose بال dirty hand.
يحب المارشالجية دولة المارشال، تصورهم عن الدولة بسيط، هرم قائم الزوايا تجلس فوقه بدلة مارشال خاوية وفي يدها عصا المارشالية، تصوراتهم عن المجتمع المصري قائمة على خيالات درامية غذتها مسلسلات أسامة أنور عكاشة ومعرفتهم بالتاريخ قائمة على مسلسلات الأعوام الأخيرة التي أنتجتها تباعًا ال MBC.
مثل المارشال يحارب المارشالجية أشباحهم الخاصة، شبح عالم يستهدفهم لكن لابد من إبهاره، شبح دول تتآمر عليهم لكن لابد من تحيتها بمهرجانات السياحة لجلب رؤوس الأموال، لكنهم مثل مارشالهم الذي علمهم المارشالية وانتظروه طويلًا ليملئ فراغ قمة الهرم ويلبس البدلة، مسكونين بشبح الميدان، إنهم يريدون إبهار العالم لكنهم يعرفون إن العالم لم يهتم بأخبار مصر الداخلية طوال أكثر من ثلاثة عقود سوى أثناء اعتصام التحرير، ال 18 يومًا الملعونة عندهم، التي هزت الجمود المباركي لكنها لفتت نظر العالم، مثل شبح الينايرجية يريد أنصار المارشال إبهار العالم، حتى لو لم يستطيعوا الذهاب إليه في عقر داره، فلا بأس من إحضاره إلى عقر دارهم.
مثل المارشال، يبجل المارشالجية مارشالًا سابقًا، كان بكباشيًا لكنه لم يتوانى عن رفع عصا المارشالية وتصميم لباس نازي بلون أزرق بروسي على صدره زهرة لوتس.

تأريخ:

ينتمي السادات إلى تصور مارشالي عن العالم، قائم على قيادته ككبير للعائلة لكل الأشياء، لكن السادات أيضًا هو منشئ النيو ساداتية التي سار عليها مبارك من بعده، النيو ساداتية كانت المرحلة الثانية بعد اتباع المنهج الناصري، مرحلة صعد فيها مبارك إلى مقعد نائب الرئيس وسارع السادات في تطبيق برنامج الانفتاح، الذي سيسمى بعد ذلك برنامج الخصخصة.
يعود المارشال الجديد إلى شبح المارشال القديم، يحلم به وبسيفه وبساعته، ويأمل في تحقيق النيو ساداتية كما كانت في بدايتها، نيو ليبرالية بإشراف الجيش، نيو ليبرالية عطلها مبارك بجموده وبرغبته في توريث الحكم، وعجز عن تنفيذها المدنيون فصارت بحاجة إلى حسم مارشال عسكري.
الأمر الذي ينساه المارشال في حلمه بشبح المارشال القديم أن قامات الموتى عاجزة عن الانتصاب.

حاشية وانتصاب:

يتوسط العمر فيناصب جسد الإنسان العداء للإنسان، يراكم الميت فوق الحي، وتنزع الأعضاء للانجذاب نحو الأرض، هكذا ينصب الإنسان كرشًا يجره نحو الأرض ويحني قامته إلى الأمام ويمنعه من الانتصاب، ويضغط الكرش الميت على أسفل البطن فيمنع أعضاءً مخفية من الانتصاب.
كان المشير السابق على المشير الحالي شيخًا كبير، يظهر بقامة محنية لا تنتصب، مرتين عجز خلالهما عن نصب القامة العسكرية أمام مراكز القوى التي يرغب المشير الحالي في الحرب عليها، في نوفمبر 2011 ظهر محنيًا يعلن تحديد موعد تسليم السلطة للأعداء الطفوليين، للمدنيين، ومرة أخرى في فبراير 2012، ظهر محنيًا عاجزًا عن نصب إصبع واحد ومتمتمًا بكلمات بلا معنى "لازم الشعب كله يشارك".
في الأسبوع الأول من يوليو 2013 كان لابد من انتصاب الهامة والجسد ولو بمساعدة المنشطات، تسارع هوس نساء الطبقة الوسطى بالعسكر الوسيم، بعد أن تنحت صورة لاعب الكرة الوسيم وصورة مشجع الكرة الشوارعي، الأكثر وسامة وشجاعة الذي يخفي جسدًا منحوتًا منتصبًا، والإخفاء سر الفضول، عادت النسوة في المدينة إلى خيالات قديمة، وغنت خادمة المنزل "عاوز أتطوع طيار" ورددت أخرى "يا أبو الشريط الأحمر يا اللي"، عادت البنات الضالات إلى حضن أبناء الطبقة وتبادلن صورًا لفتيان ذوي حسن أنثوي، مرداء يشبهون مهند التركي، لكنهم منتصبو القامة داخل البدلة العسكرية، انتصاب القامة تلك هي المسألة.
ربما هي ليست المرة الأولى التي يصبح فيها خطاب الفحولة خطاب في مركز المشهد السياسي، قبل ذلك تداول المصريون نكاتًا عن فحولة المارشال السادات، "همت يا بنتي" كانت سر حيوية الفترة في المُخيلة الشعبية مقابل ثلاثة عقود خالية من إشاعات عن عشيقات محتملات سوى همس خافت، تردد بعد سقوط المخلوع، عن علاقة مع استر بولانسكي سببت اعتزالها.

حلم وواقع:

يعرف المصريون الشعبيون تلك المراهم والسفوف والبلابيع والحبوب، حُق عنبر يؤخذ منه بعود كبريت، وحجر جهنم يعجز الدائر عن شمه فضلًا عن بلعه، يعرف الجميع فضل الأفيون سوى النساء، يُدخل الأفيون آكله في سِنة تامة تلقيه في غيابات السُكر، فيشعر معها بأنه فحل الفحول بينما يكون عاجزًا عن انتصاب كامل.
مثل آكل الأفيون يقف لابس البدلة، يحلف أمام الوفود المحمولة جوًا، وينصب نفسه فليس لديه من ينصبه، مثل الإمبراطور صاحب الملابس، يقسم أتباعه بحسن ملابسه وعظمتها، بينما يعرف الجميع أنه يحلف عاريًا دون حتى ورقة توت خلع الإخوان وإنقاذ الوطن، لا يستره سوى قطرات دماء تناثرت من قتل أبرياء جراء الحرب على الأشباح.

خاتمة:

"إذا أراد ربنا هلاك نملة أنبت لها أجنحة"

مجموعة من 999 مثلًا جمعها شرف الدين بن أسد وترجمها وطبعها لويس بوركهاردت (1818)

·         تم التنسيق باستخدام الخط الأميري الصادر حسب رخصة المشاع الإبداعي 

الأحد، 16 فبراير 2014

L'Illusion Comique خورخي لويس بورخس

L'Illusion Comique[1]
خورخي لويس بورخس
ترجمة: ياسر عبد الله

خلال سنوات الحمق والعار، تم تطبيق أساليب الدعايات التجارية وآداب البوابين[2] لحكم الجمهورية، هكذا كان هناك تاريخان، الأول ذو طبيعة إجرامية، مُكون من السجون، التعذيب، الدعارة، السرقة، القتل والحرق العَمد؛ الآخر له دور مسرحي، مُكون من الحكايات والقصص الخرافية المُعدة لاستهلاك المُغفلين، وغرض هذا المقال، دراسة أولية لذاك التاريخ الثاني، الذي ربما لا يقل إثارة للاشمئزاز عن الأول[3].
كرهت الديكتاتورية (ادّعت كراهية) الرأسمالية، لكنها، كما في روسيا، نسخت أساليبها، وأملت الأسماء والشعارات على الشعب بنفس المثابرة التي تفرض بها الشركات أمواس الحلاقة، السجائر أو الغسالات عليهم. هذه المثابرة، كما لا يجهل أحد، أدت إلى نتائج عكسية؛ فالإفراط في دُمى الديكتاتور جعل الكثيرون يشمئزون من الديكتاتور، لقد عبرنا من عالم الأفراد إلى العالم العاطفي للرموز؛ لم يكن الصدام بين أحزاب أو منافسين للديكتاتور، لكن بالأحرى كان بين أحزاب ومنافسين لدُمية أو لاسم ... ما هو أكثر  طرافة كان إدارة السياسة تبعًا لقواعد الدراما أو الميلودراما.
في يوم 17 من أكتوبر (تشرين الأول)  1945[4] تم الادعاء إن كولونيل تم إلقاء القبض عليه وخطفه وأن الشعب أنقذه، لم يزعج أحد نفسه بالإعلان عن الخاطفين، أو عن كيفية التعرف على مكانه؛ ولم يكن هناك أية اتهامات قانونية موجهة ضد الاطراف المذنبة المحتملة؛ كذلك لم يتم الكشف عن أسماء المجرمين أو حتى تخمينها.
في غضون عشر سنوات، صار التمثيل أسوأ بكثير، مع الازدراء المتزايد لشكوك الواقعية المبتذلة. في صباح 31 من اغسطس (آب)[5] ادعى الكولونيل، صار ديكتاتور الآن، الاستقالة من الرئاسة؛ ولم يتم إعلان الاستقالة أمام الكونجرس، لكن أمام المكاتب التنفيذية لإتحادات عمالية، ليكون المشهد شعبويًا بجدارة.
لا أحد، حتى قواعد الإتحادات العمالية نفسها، يجهل إن غرض هذه المناورة كان لحث الشعب على ترجيه سحب استقالته، في حالة ما كان هناك أدنى شك في ذلك، قامت عصابات من أنصار الحزب، بمعونة الشرطة، بإغراق المدينة بصور شخصية للديكتاتور وامرأته. بلا حماس، تجمعت الحشود في ساحة مايو[6]، حيث أذاعت محطة الإذاعة الرسمية خطبًا حماسية لكي لا يغادر أحد وقطع موسيقية لتلطيف الضجر، وقبل حلول الليل، أطل الديكتاتور من شرفة البيت الوردي[7].
كان، كما هو متوقع، محتفى به، لكنه نسى أن يتخل عن تخليه، أو ربما لم يفعل ذلك لأن الجميع عرفوا أنه سيفعل ذلك، وسيكون سمجًا لو أصر على تنحيه، لكنه طالب، رغم ذلك، بمذبحة دون تمييز لكل خصومه، واحتفت الحشود بذلك.
لكن لم يحدث شيء في تلك الليلة، عرف الجميع (ربما، ما عدا، الخطيب) أو أحسوا كما لو كان مشهدًا مسرحيًا، حدث نفس الشيء، بدرجة أقل، مع حرق العلم[8]، لقد قيل إن ذلك كان من عمل الكاثوليكيين، تم تصوير العلم المُهان وعرضه، وكأن سارية العلم نفسها لم تكن كافية للعرض، فاختاروا أقل الثقوب تواضعًا في منتصف الرمز، ومن غير المجدي تعديد الأمثلة؛ يمكن للمرء فقط أن يدين إزداوجية قصص النظام السابق الخيالية، التي ما كان لها أن تُصدق وصُدقت.
سيُقال أن افتقار العامة للتعقيد كافيًا لشرح التناقض؛ لكني أعتقد إن التفسير أكثر عمقًا، تحدث كولِريج عن كون "التعطيل الطوعي للإنكار" المكون الأساسي للشِعرية، وقال صامويل جونسون، دفاعًا عن شكسبير، إن المشاهد لتراجيديا لا يصدق إنهم في الأسكندرية في الفصل الأول وفي روما في الفصل الثاني، لكنه يخضع للذة القص الخيالي، بصورة مشابهة، فإن أكاذيب الديكتاتورية لا تُصدق ولا تُكذب، بل تنتمي لخطة وسيطة، غرضها إخفاء أو تبرير الوقائع الحقيرة والفظيعة، إنها تنتمي للمثير للشفقة والحساسية الخرقاء، من المُبهج، إنه لوضوح وأمن الأرجنتينيين، فهم النظام الحالي إن مهمة الحكومة ليست إثارة الشفقة.

-----------------
تم التنسيق باستخدام الخط الأميري الصادر حسب رخصة المشاع الإبداعي.

Jorge Luis Borges, SELECTED NON-FICTIONS, EDITED BY Eliot Weinberger, TRANSLATED BY Esther Allen, Suzanne Jill Levine, and Eliot Weinberger, Viking Penguin, 1999, p 409-410.



[1] "الإيهام المسرحي"، عنوان مسرحية لبيير كورني (1606-1684)، بالفرنسية في الأصل الإسباني.
[2] la litérature pour concierges، بالفرنسية في الأصل.
[3] على الرغم إن المقال مخصص لإبداء استنكار بورخس لأساليب نظام خوان پيرون المبتذلة من وجهة نظره، فإنه لا يذكر پيرون بالاسم ويكتفي بالإشارة إليه مرة ككولونيل ومرة كديكتاتور.
[4] يوم الولاء كما يُعرف في الأرجنتين، ويُوافق ذكرى خروج مظاهرة عمالية ضخمة إلى ساحة مايو للمُطالبة بالإفراج عن الكولونيل خوان پيرون (1895-1974)، الذي كان سجينًا في جزيرة مارتين گارسيا، ويُعد ذلك اليوم بمثابة تأسيسًا للپيرونية.
[5] في 31 أغسطس (آب) 1955، عرض خوان پيرون استقالته من منصبه للحفاظ على السلم الداخلي في الأرجنتين، وأدى ذلك العرض إلى خروج مظاهرات جماهيرية تطالبه بعدم التنحي، ولم يمنع ذلك من الإطاحة به في إنقلاب عسكري، مدعومًا بمعارضة مدنية، سُمي بثورة التحرير في 16 سبتمبر (أيلول) 1955.
[6] Plaza de mayo، من أهم ميادين بيونس آيرس، ولكونه المسرح الرئيس لثورة 25 مايو (آيار) 1810 التي أدت للاستقلال، يُعد المشهد الرئيس لكثير من الفعاليات السياسية في الأرجنتين.
[7] Casa rosada، البيت الوردي مقر السلطة التنفيذية ومكتب الرئيس الأرجنيتيني، ويقع في شرق ساحة مايو.
[8] في مايو (آيار) 1955، بعد مُظاهرة لأنصار الكنيسة الكاثوليكية أنزلت العلم الأرجنتيني من ساريته في ساحة مايو واستبدلته بالعلم البابوي، ظهر وزير الداخلية والزعيم العمالي آنخل برلونگي في حشد من أنصار الپيرونية، ووقف في شُرفة البيت الوردي مُلوحًا ببقايا علم محترق ادّعى أن أنصار الكنيسة الكاثوليكية قاموا بإحراقه. ( “Don’t Cry For Me, Argentina” — The Tumultuous Times of Juan and Evita Peron)

الثلاثاء، 21 مايو 2013

عن صلاح جاهين والاحتفاء بـ(الحياة)


عن صلاح جاهين والاحتفاء بـ(الحياة)

أحب أعيش ولو في الغابات
أصحي كما ولدتني أمي و ابات
طائر .. حوان.. حشرة .. بشر ..بس أعيش
محلا الحياة.. حتي في هيئة نبات

بهذه الرباعية يغني جاهين للـ(حياة)، إنه يعشقها ويقدسها حيثما كانت حتى ولو كانت في هيئة نبات يهز فروعه فقط دون أن يتحرك من مكان، يحتفي جاهين بـ (الحياة) لكن أي (حياة) تلك التي يحتفي بها ؟
لنتخيل حياة جاهين تنزاح قيد أنملة عن موضعها وقت كتابة الرباعية، في الستينات وهو الشاعر الغنائي الأشهر المحتفى به، تنتظم حياته في رتابة مطمئنة ودعة وراحة تجلب معها أحداث منطقية وعكارات منطقية كذلك، تخلو حياته من مفاجآت كافكاوية غير سارة، وقت كتابة الرباعية لا يخشى الشاعر المغني من دخول فردين عليه الغرفة وهو بملابس النوم مثل يوسف ك في المحاكمة، لا يخشى انزلاق كلمة عابرة من لا وعيه المرتبك عبر حاجز وعيه الصارم المهندم المنظم الذي يحتفظ له بهيئته الاجتماعية ويحافظ على علاقاته المجتمعية القائمة، لنتخيل الشاعر المغني وقت كتابة الرباعية وهو لا مطمئن، لا يعرف إن كانت ستنشر أم لا، لنتخيله غير محتفى به في سائر البناء الاجتماعي القائم، لنتخيله صوتًا أكثر فرادة ومفارقة عن تلك السهولة العادية حد الابتذال التي يفهمه بها الجميع، لنتخيله وقبل كتابة هذه الرباعية رفضت له مئة رباعية أخرى، سيتوقف القلم (أحب أعيش) ويتساءل عندها أي (عيشة) تلك إن كنت أكتب مئة رباعية لا يفهمها أحد ولن يفهمها أحد، لكن الشاعر المغني لم يعانِ كل ذلك، كان يكتب وهو موقن بالنشر والاحتفاء والأجر في مجلة صباح الخير.
لو كانت (الحياة) هكذا، رتيبة مطمئنة تدعو للدعة والسكينة والراحة فيمكنك الاحتفاء بها، وتخيلها في الغابات والجزر والشجر الوارف ظله الرامي بثمر ويحلو في أيكه السمر، فالرباعية بمدخلها ومنتهاها تهيء جوًا دراميًا يستدعي إلى الذاكرة المشاهد التي رآها المتلقي الستيني في دعة وراحة في سينما صيفية تهب فيها النسائم العليلة غير الملوثة بعوادم السيارات وغاز فريون التكييفات، سيقرأ المتلقي (الغابات) ليستدعي في الذاكرة طرزان وحبيباته الشقراوات، ورقصات هونولولو، الشجرة المقصودة شجرة عملاقة لها فروع وأغضان وثمار، تلاعب القرود أغصانها وتلاعب هي القرود وتعتبرها حيواناتها الأليفة، لكن لو كانت (الحياة) غير (الحياة)، لو كان جاهين لا يتمتع بالدعة المطمئنة والرتابة المنظمة، لو كان مثل السارد الرئيس في كل قصص محمد حافظ رجب يخشى العبور من بولاق إلى إمبابة مرورًا بالزمالك حتى لا يفاجئ بالكمساري المشوه والقزم الأعمى الذي يدخل في أذنه كما كتب في كائنات براد الشاي المغلي، لو كان جاهين وقت كتابة الرباعية مثل عبد الحميد الديب، حائطَا مهدمًا كتب عليه "هنا أيها المزنوق طرطر"، فأي نبات كانت تنتجه خيالاته الشعرية الغنائية، لننس الغابات والشجر الوارف ظله، لنتخيل شجرة وحيدة يتيمة رماها عمال البلدية في انتظار زيارة نائب المحافظ التي لم تأتِ أبدًا، ولنتخيل هذه الشجرة على كورنيش الأسكندرية، لأنها المحافظة التي يحتفى فيها بنائب المحافظ ولا يذكر لها محافظًا، (محلا الحياة في هيئة نبات) وماذا لو كان هذا النبات تلك الشجرة اليتيمة القائمة على كورنيش البحر في نهار تموزي قائظ، كل علاقتها بالماء العذب علاقة انتظار، (محلا الحياة في هيئة نبات) لكن الشجرة اليتيمة لا تعرف طراوة الماء إلا عندما يمر بها عابر سبيل ليلي، سكران خارج من بار الشيخ علي، ليطرطر على جذعها، عندها يقف النبات المتغزل في حياته حائرًا هل يشكر المطرطر الذي رواه أم يشعر بإهانة الطرطرة.
وما المشكلة ؟ من حق صلاح جاهين، الشاعر المغني للنظام الاجتماعي القائم في الستينات الاحتفاء بـ(الحياة)، الحياة كما عاشها في الستينات، في دعة مطمئنة ورتابة منتظمة تخلو من المفاجآت اللاسارة، لكن الرباعية لا تؤخذ الآن كذلك، لا تفهم الآن أنها مجرد احتفاء شاعر مغني مبسوط ب(حياته) التي لا يعاني فيها، ولا يقيم وقت كتابتها في الواحات، ولا يخشى دخول المباحث العامة بيته في أي وقت، ويسمعه زعيم الأمة (جمال عبد الناصر)، فالشاعر الغنائي المحتفى به شاعر القبيلة المغني، لا القبيلة الصغيرة المضحكة في القصص المصورة "آستريكس وأوبليكس"، لكن القبيلة/الدولة، مثل هوميروس وبحره الإيامبي الملحمي، يردد البشر المتحفون بشاعر القبيلة/الدولة جاهين هذه الرباعية وغيرها من الرباعيات كل صباح، بوصفة خلاصة حكمة الأقدار والسنين والأحياء والميتين، لا مجرد تعبير شاعر مغني عن رضائه بعيشته وحياته المطمئنة الخالية من المنغصات اللامنطقية، (الحياة) هنا تفهم بصورة مختلفة، حين يردد الآن المحتفون بشاعر القبيلة/الدولة الغنائي تلك الرباعية يتحدثون عن (الحياة) بالمفهوم البيولوجي الأكثر ابتذالًا، لا بما عناه الشاعر المغني من احتفائه ب(حياته) اللطيفة التي كان يعيشها في الستينات كجزء مهم ومؤثر ورئيس في بنية الثقافة السائدة وقتها، الاحتفاء ب(الحياة) يخرج عن مجرد احتفاء برتابة حياة موظفي الستينات السعيدة، رتابة الموظفين الذين يقبضون ولا يسألون ولا يتساءلون، ليكتسب معنى ميتافيزيقي عن الاحتفاء بأي (حياة) وليدخل في باب التفاؤليات المعتادة اعتياد الرداءة، لتخرج الرباعية من (محلا الحياة)، حياة الشاعر المغني المطمئنة، إلى ما أحلى الحياة بمفهوم جماعات (صناع الحياة) ومريدي التنمية البشرية، المتفائلين دومًا دون أدنى معنى ودون أي فهم.
لو كانت (الحياة) رتيبة مطمئنة منتظمة تتمتع بدعة وراحة وتخلو من مفاجآت لا منطقية كافكاوية ستحلو ولو في صورة نبات، أما لو كانت غير ذلك فسيكون النبات مجرد شجرة قائمة على كورنيش الأسكندرية لا تطول زيارة نائب المحافظ ولا ماء الري، تنتظر فقط عابر سبيل شريد سكران خارج من بار الشيخ علي ليرويها بطرطرته. 

السبت، 4 مايو 2013

عزيزي السيد سميث عميل النظام


عزيزي السيد سميث عميل النظام

في الأسبوع الثاني من اعتصام التحرير الأول (أيقونة ما قبل تولي المجلس العسكري إدارة شئون البلاد) التقيت أحد الصحفيين العاملين في جريدة المصري اليوم وفي أثناء الدردشة قلت له "مش ناويين تقلبوا مجدي الجلاد بقى" وكان رده هزة كتف وجملة من قبيل "مجدي الجلاد ما بيتدخلش في سياسة التحرير" أو بمعنى آخر "الصحفي راضي ورئيس التحرير راضي مالك إنت بقى ومالنا يا قاضي"، كان ذلك في الأسبوع الثاني من الاعتصام بعد خناقة الجمل حين اكتشف الميدان فجأة أن للبلد دستور يخشون من فراغه، كان هذا والثورة "لسه في الميدان"، الميدان الذي لم تغادره أبدًا وماتت عنده.

الرد الطبيعي بهز الأكتاف وجملة من قبيل نظام الجريدة أو سياسة التحرير كانت هي الرد المعتاد لأي دردشة من قبلي ألمح فيها إلى ضرورة تثوير المؤسسات الثقافية أو الصحافية، بالنسبة للكثيرين كانت الثورة في الميدان يذهبون لها كل يوم لكنهم بعد ذلك يرجعون إلى المؤسسة العاملين بها، يتبعون سياساتها ويكتبون بلغتها، لكنهم (ثوريون) والسر ؟ "إنهم بيروحوا الميدان"، يذهبون للثورة لكن خارج الميدان يذهبون ويدعمون النظام، لكن في بعض الأحيان يصنعون حسابًا افتراضيًا يعيشون فيه كـ (ثوريين) على الفيس بوك أو تويتر، ثوريون يستخدمون أجهزة النظام ليعملون، لا ليختطفوها لكن لتختطفهم (انظر détournement).

ظل هذا هو السائد حتى يومنا هذا، لو قلت لأحد الأصدقاء الآن عن عمله في الشروق التي صارت بوقًا نظاميًا لقال لي "علينا أن لا نغادر مواقعنا ونظل نناضل من الداخل"، لكنه في الحقيقة لا يناضل لا هو ولا غيره، لا يملك الاعتراض على جملة مثل مناهضي الاخوان التي بدأت الشروق في استخدامها، هو وأمثاله يحافظون على مكياج ما لهذه الجريدة أو تلك لتظل جريدة مختلفة ليست كبوق النظام الحرية والعدالة، لتظل محافظة على بعض الاتزان الوهمي، يرسم عمرو سليم فيها ضد الاخوان بجانب مقال البوق الاخواني فهمي هويدي، ولا يملك الصحافيون فيها الاعتراض على جملة مستخدمة أو مقال مكتوب، سيرد الصحافيون "الصحافة مش شغالة كدا انت مش عارف القواعد"، لا يا عزيزي السيد سميث أنا أعرف القواعد جيدًا، هذه القواعد هي النظام/السستم/المصفوفة وأنت تطيعها، لا تعمل القواعد من خلال مجلس الإدارة لكن تعمل من خلال العملاء مثلك يا سيد سميث، تعمل بزرع فيروساتها في كل مكان وقبولها على إنها قواعد منطقية مسلم بها.

عزيزي السيد سميث أنت عميل للنظام الذي تخدعني وتقول أنك تقاومه، أنت عميل له لا تستطيع الاستغناء عن القروش القليلة التي تقبضها وانت تغني معي في لحظات سكرك في البارات "وان جعنا شبعنا بتتقضى ما نبعش الكلمة بميت فضة"، عزيزي السيد سميث أنت عميل للنظام، حتى عندما تُنشئ مؤسسة (بديلة) فتعمل من خلال قواعد نفس النظام ولا تتمرد، عزيزي السيد سميث أنت عميل وأنا لا أحب العملاء.