السبت، 22 نوفمبر 2014

صاحب الرسالة المارشالجي

صاحب الرسالة المارشالجي

على مدار عمري تعاملت كتير مع ناس مصابين بوهم الرسالة، ما بين السياسة والفن والأدب والصعلكة، مش قليل لما تلاقي شخص قرر فجأة إنه صاحب رسالة وهذه الرسالة مُكلف بتبليغها للناس، الحالة دي بتتعدد أطيافها ودرجاتها ما بين الهوس الكامل بالرسالة ودا غالبًا بيوصل لعنبر الأنبياء في الخانكة، العنبر اللي بيحجزوا فيه مدعي النبوة والمهدية وخلافه، وبين هوس خفيف يُصاب به الأفندية وغيرهم في دول ما بعد الاستعمار.
المعتاد في صاحب الرسالة، إنه بيبقى صاحب ريالة، بس مش شايف ريالته، هو متخيل إنه صاحب رؤية محورية كونية ستغير وجه ووجع الشعوب، وما على الشعب غير إنه يتبعه بصفته حامل الوعي، الحالة الأشهر هي حالة أفندية مقاهي وسط البلد، اللي بمجرد ما يبتدي يحبو في قراية النظرية بيقرر إنه طليعة وإنه قيادة جماهيرية، وإنه مكلف، لأن لينين زانقه زنقة روسي في خانة اليَك في كتاب ما العمل، بإنه ينقل للجماهير وعيها، وبيتدي يتصرف ويتحرك من ثوابت فكرية، هي في الحقيقة ريالة نازلة على صدره، لكن هو شايفها رسالة عظمى.

الحقيقة الحالة لا تقتصر فقط على كونك مثقف أو أفندي أو لأ، في دول ما بعد الاستعمار زي مصر، وخاصة لأن الاستعمار عمل على التفرقة ما بين المتعلمين، اللي هيبقوا خدم وحشم جهاز الدولة البيروقراطي السلطوي الجسم الغريب عن الشعب زيه زي الاستعمار، وبين السواد الأعظم للشعب اللي ظل لأسباب عديدة ومتشابكة غير متعلم، فيكفي إنك تكون بتفك الخط حتى يتم اعتبارك صاحب رسالة، ويفوضك الفلاحين زي محمد أفندي في فيلم الأرض عشان تروح تتفاوض باسمهم، شايفينك صاحب رسالة بينما إنت في الحقيقة صاحب ريالة نزلت أول ما شفت رجل الخواجاية في الفندق زي ما حصل في الفيلم #ما_علينا.

مؤخرًا لاحظت انتشار الحالة دي على السوشيال ميديا، المُتخمة على تمة عينها بالمتعلمين، اللي بيعرفوا يفكوا الخط يعني، وخاصة من المارشالجية، المارشالجي بشكل رئيسي مؤمن بإنه صاحب رسالة، وإن المارشال بقلظ أبو الخدود نحنح الله صوته نفسه صاحب الرسالة الأعظم المُكلف بحماية البلاد، بلغه هو شخصيًا بالرسالة دي، فيقوم المارشالجي من دول أول ما تزنقه في أي نقاش، أو بمعنى أصح تبين إنه صاحب غسالة مش رسالة، يبتدي يفكرك برسالته الخالدة، "إنتم ما تعرفوش المؤامرات على البلد"، وهو لأنه تابع، لو ما كانش ظبوط أو بيدعي إنه ظبوط يعني، بيعتبر إن الظبابيط هما أصحاب الرسالة الأَولى منه بشرف الدفاع عنها، فتلاقيه بيعتبرهم فوق البشر، وفاكر السباليتات اللي على الأكتاف أجنحة ملايكة، هو ما بيناقشش هو بيفكرك بالرسالة المُكلف بيها، رسالة الحماية والواجب والعين والحاجب، أي حاجة تلاقيه فتح لك علبة الردود وطلع لك جملة "دا واجب الظابط إنه يقتلك ويقتل أمك عشان يحميك".

وهم الرسالة عند المارشالجية بيتفاقم أكتر من وهم رسالة أستاذية العالم عند أسلافهم الإخوان، لأن وهم رسالة أستاذية العالم في الأول والاخر وهم انفتاحي وتبشيري يملك بارانويا عظمة أكتر ما يملك بارانويا اضطهاد لكن وهم رسالة حمايتك من نفسك هو بارانويا اضطهاد، العالم كله بيحاربنا وهو بصفته مارشالجي تلقي وحيه من خدود القائد ونحنحة ذبذبات صوته، هو الوحيد العارف بالمؤامرات دي كلها، اللي بتبدأ من كوريا الشمالية وما بتنتهيش عند النرويج.

المارشالجي صاحب الرسالة، اللي هي في الحقيقة ريالة، واثق جدًا من رسالته، زي أي مريض في عنبر الأنبياء في مستشفى الخانكة ما هو متأكد من إدعائه النبوة أو المهدية، يمكن كل مريض بالفاشية عنده نفس الوهم #ما_علينا


ربنا يبعدنا عن أصحاب الرسالات والريالات.

الأربعاء، 5 نوفمبر 2014

ابتسامة يارا (إلى يارا سلام)

ابتسامة يارا

إلى يارا سلام 

ما الابتسامة؟ لا هي ضحكة ولا هي عبسة، لكنها تعد بضحكة وتخشي العودة للعبوس، الابتسامة شفتان ما بين انفتاح وانغلاق كدعوة تقبيل وجلة، هي الخيط الأبيض الفاصل بين ليل سجىٰ وصباح لم يُصبح، كسنا ضياء ما قبل الإشراق، تفلق الإصباح دون إطلاق الصباح.
ليس كمثل ابتسامتها ابتسامة، يتشارك اسمانا ثلاثة حروف لكن كلانا يسبح في مداره فلم يتقاطع دربانا ويسمحا بلقاء، ربما لمحتها، لكن فعل الرؤية غير ممكن إلا عند انحلال ذاكرة الوجوه الشمعية والبسمات نصف الميتة، وحده انحلال رسم السابق يمنح الرؤية العابرة كشفها، عندها تلمح ابتسامتها فيُلقى في قلبك ما يُلقى وتَقَر رؤية الابتسامة في قلب الرائي، تسكن قلبه فتمنح له سَكِينَته المسلوبة من قِبَل السلطان، الذي يجعلنا بلا وجوه مميزة، يسرق ابتساماتنا ويمنحنا بسمات مُسرنمة، تحت نير سلطته كلنا بنفس الوجه الشمعي نصف الحي، السلطة تُجهلنا دومًا ولا تُعرّفنا إلا حين نقاومها، حينها يلمح الواقعون تحت نيرها وجوه مقاوميها، ربما لن تعرف وجه شبيهك إلا حين يقتله السلطان، فهو يقتل حياتنا وحكاياتنا، يسعى لجعل قصص الغزل مرثيات.
كلماتي ليست رثاء لابتسامة، ربما هي رثاء لكاتبها العاجز عن الابتسام، المتغزل في ابتسامة عابرة، رآها غافلًا بعينين نصف مطفأتين حين أشرقت كابتسامة صبية تصب ماء إبريقها في مشربية مُطلة على ساحة مدينة، يلمحها سجين مُساق لمحاكمته فتمنحه شيئًا نصف مجهول لكن حلاوته كاملة.
يارا، لم تعرفيني قبلًا، لم تصادفيني في طريق رغم أننا ندور في ذات الأفلاك، حتى لو لمحتِني فحتمًا لم تتذكري وجهي، فهو وجه شمعي تنقصه ابتسامتك مانحة الحياة لوجوه غَبّرها نصف الموت، ربما لولا رؤيتي لابتسامتك عبر قضبانٍ لسجنتها بداخلي، أخرجها وقتما أشاء لتهبني وعدًا بالحياة، ابتسامتك لم تكن لي، كانت لذاك المجهول الذي لا نعرفه لكننا نوقن بحلاوته ويسكننا حبه، ربما كانت ابتسامتك مقاومة للسلطان لكنني لا أدرك تلك الكلمات المنمقة، أعلم أن ابتساماتك أكثر من مقاومة وأشمل من أن يحويها تعريف، فهي جديرة بإثارة الشغف وإحياء قلوب نصف ميتة، هي وعد بشيء ما آت، ابتسامة تفلق الإصباح لصباح لم يُطلق سراحه بعد.

ياسر عبد الله                                                                                                                                          

                                                                                                                                    

الأحد، 14 سبتمبر 2014

عن القهر والانتحار والخوف



عن القهر والانتحار والخوف
ياسر عبد الله
(تويتات مجمعة ومرتبة)
ما بقاش ينفع تدخل الحيط، أينما تكونوا يدرككم القهر، لو تعبت ابعد شوية وارجع، حياتك مش هتبقى أحلى لو بطلت كلام في السياسة عشان مش هي دي المشكلة، مش المشكلة إن فيه ناس بتهري في السياسة، المشكلة إن الساسة بيتحكموا في حياة ملايين من غير حساب وإنت من ضمن الملايين دول، لو ما سمعتش سياسة على تويتر، وإنت راكب ميكروباص هتشوف القهر بالصدفة لمجرد إن أمين شرطة قرفان بالليل من وقفة الكمين وله سلطة على حياتك قرر يقهرك.
ممكن تنسى منظومة القهر، لكنها هتقتحم حياتك وهتفكرك، فهتلاقي ميول انتحارية ظهرت، ودا طبيعي، الميول الانتحارية طبيعية في منظومة قهر لكن مش هي الحل.
بدل ما تؤذي نفسك عشان اكتشفت منظومة القهر وإنت ماشي بالصدفة، استرد حقك من اللي أذوك وبيؤذوك ويؤذوا غيرك لمجرد إن لهم سلطة يعملوا كدا.
ما حدش فينا بيختار يكتئب، ما حدش فينا اختار يبقى عنده مشاكل نفسية، لكن دي مش جريمة حد فينا برضهن كلنا اتولدنا عشان نلف زي التيران في الساقية، كلنا عاوزين نبتسم للحياة ونشوفها وردية، لكن الحياة الوردية مش هتيجي بدهان صندوق الزبالة وتخيله فازة ورد، الحياة الوردية هتيجي بنسف الزبالة من أساسها، ما حدش فينا مبسوط بإن جواه طاقة كراهية، كُتب علينا وهو كُره لنا، نفسنا في طاقة محبة، لكن المحبة الزائفة اللي بترضى بالظلم وتزيفه وتزينه ما تلزمناش.
كلنا مظاليم من أول ما اتولدنا، لا اخترنا أب ولا أم ولا فقر ولا بلد ولا بيت ولا دراسة ولا دين، وفوجئنا أول ما فتحنا عينينا إننا بنتحاسب على دا وحساسيتنا تجاه الظلم مختلفة، فيه ناس زيي بتختار تشتم وتزعق وتتنرفز وفيه ناس احتمالها أكبر، ما تحاسبوش الناس على مزاجهم قبل ما تعرفوهم.
فضفضوا لبعض وانسوا لبعض، اللي بيفضفض لك في لحظة بعبعة مش عاوز يسمع البعبعة اللي قالها تاني، اسمعها واهتم بيها وافهمه وطبطب عليه بس ما تفكروش.
احنا عايشين حياتنا خايفين، بنبوس واحنا خايفين، بنحب واحنا خايفين، بننام واحنا خايفين نصحى ما نلاقيش الملاليم اللي بنقبضها، فمش طالبة نقعد نستجوب بعض ونخاف من بعض.

*تم التنسيق باستخدام الخط الأميري.

عن #جبنا_آخرنا والأسوار الحاجزة بيننا



عن #جبنا_آخرنا والأسوار الحاجزة بيننا
ياسر عبد الله

(تغريدات مُجمعة ومرتبة ومنقحة)
حابب أرغي شوية بخصوص #جبنا_آخرنا وكام اعتراض قريته خلال الأيام الأخيرة وبعضها اعتراضات مُكررة عنها وعن غيرها، كلامي مش بغرض اقناع/تجنيد حد لكنه مجرد عصف ذهني وتفكير بصوت عالي، عشان نفهم سبب #جبنا_آخرنا أو غيرها لازم نرجع نعصف ذهننا بخصوص نظام الحكم في مصر والنظام الاجتماعي وإزاي بيعملوا في توازي وترابط دائم، التوازي والترابط الدائمين دول، غرضهم كما هو غرض كل أعمال الأنظمة هو تأبيد النظام واحتواء أزماته بل وتجنيدها لتجديده في أغلب الأحيان، وعشان نعصف ذهننا بخصوص النظام سواء نظام الحكم أو النظام الاجتماعي السائدين في مصر لازم نتأمل لحظة ثباته المُثلى وهي نفسها لحظة الحنين السائدة كمان، لحظة ثبات النظام المُثلى في مصر اللي كان النظام بيبذل فيها أقل مجهود عشان يستمر هي نفس فترة النوستالجيا اللي بيمارسها الوعي المجتمعي الجماعي واللحظة دي حاليًا هي فترة التمانينات-التشعينات، أو النصف الأول من حُكم مبارك، تقريبًا من 1982 إلى 1998، في الفترة دي سادت معارضة مستأنسة تمارس النقد لا النقض، يعني مش عاوزة تغير النظام هي عاوز تعدله بس، والمعارضة دي بالنسبة للنظام بتعمل كخلايا المناعة بالنسبة للجسم، ومعارضة أخرى مسلحة والمعارضة المسلحة سادت في المناطق غير الحضرية حتى جوا الحضر نفسه، أو بعبارة أخرى كانت في الهيش والجبل مش في قلب البلد، ولعبت دورين أساسيين الدور الأساسي الأول دور العدو الرئيسي لنظام الحكم ونظام المجتمع، أو بعبارة تانية دور الخطر الأحمر في أمريكا المكارثية The red menace  والدور دا كان فزاعة أمام أي معارضة محتملة غير مسلحة، وكان بيؤدي للمعارضة المستأنسة إنها تروح أكتر وأكتر تحتمي بالنظام خاصة مع حوادث قتل أو محاولات قتل لمثقفين أشهرهم فرج فودة ونجيب محفوظ، اللي كانت بتؤدي بالمثقفين بدل نقد النظام للتعاون معه ضد (الخطر القادم) في حاجات زي سلسلة المواجهة اللي كانت بتصدرها الهيئة العامة للكتاب، السلسلة اللي كانت بتصدر على هيئة كتيبات (تنويرية) بعضها هام لكنها صورت الدولة والنظام بمنظر المستبد العالم العادل، الدور التاني اللي لعبته المعارضة المسلحة دور العامل الحفاز لأي قمع يمارسه النظام والدور دا خلا النظام السياسي السائد بمعارضته المستأنسة والنظام الاجتماعي كمان بمعارضته المحتملة، يرضوا بحدودهم ويخافوا من العين الحمرا، ليه اخترت سنة 1998 كنهاية للمرحلة؟ عشان كام سبب منهم إني أتذكر إن المراجعات والمصالحات مع الجماعات الإسلامية المسلحة انتهت في ذا التاريخ ومنها إن 1997 شهد آخر عملية إرهابية كبرى ضد سائحين اللي هي عملية الدير البحري وبعد كدا انحصر الموضوع تقريبًا في شبه جزيرة سيناء.
المهم بعد 1998 ابتدا يحصل تراكم بدائي لحالة سخط على النظام، وبقى فيه حوادث غير مقنعة زي حادثة أبو العربي في بورسعيد اللي اتقتل عشان هيقدم شكوى والموضوع ابتدا يتصاعد بسبب ظروف أخرى خارجية زي الانتفاضة الفلسطينية وحركة دعمها في مصر، وحرب العراق ومظاهرات معارضتها في مصر لغاية ما وصلنا 2005 وتعديل الدستور النظامي عشان يبقى فيه انتخابات رئاسية، وحركة المدونين في 2006، وبعد كدا إضراب 6 أبريل 2008 وانتم عارفين الباقي.
 بعد 2011  فيه حالة قلق عام، لا تشمل فقط نظام الحكم والنظام السياسي لكنها بتنسحب على النظام الاجتماعي التقليدي اللي فجأة إحساسه بالانهيار زاد جدًا ومع كل أزمة جديدة بيواجه بالنوستالجيا الفارغة لحنين للحظة ماضية متخيلة، هو عبر عنها بالتسعينات، لحظة كانت أقل قلقًا أكثر ثباتًا ودي نفس اللحظة اللي نظام الحكم عاوز يرجع لها، نظام سياسي زائد فيه تحالف واسع متخيل ضد خطر متخيل ومنفوخ فيه "مش أحسن ما داعش تيجي" إلخ، إيه علاقة الحدوتة الطويلة دي ب #جبنا_آخرنا أو #كفاية أو غيرها؟ أقول لكم.
 طوال فترة حكم أي نظام فيه مد وجزر لقوى تهدف نقضه من أساسه وسقوطه الموجات دي عاملة زي موج البحر قدام قلعة، يا إما تبقى عالية والقلعة تقدر تصدها بس الموجة تشرخ القلعة شوية، يا إما موجات ضعيفة لا تؤثر وعشان نكمل التخيل فالقلعة زي سور الصين العظيم محاوط مدينة كاملة عمرها ما شافت البحر ومليئة بالبشر كأن السور هو  الجدار اللي قال عنه أمل دنقل
"آه .. ما اقسى الجدار
عندما ينهض فى وجه الشروق
ربما ننفق كل العمر .. كى ننقب ثغرة
ليمر النور للأجيال .. مرة"
البشر اللي ساكنة المدينة الخيالية دي زينا بشر اعتادوا احترام الجدران المرئية وغير المرئية والتعامل معها كأقدار ثابتة، لكن فيه بعضهم عندهم أمل في الموج كل موجة يزيد أملهم إنها تكسرالجدران وتدخل لهم البحر المحرومين منه، وكل لما الموجة تعلا وتدق باب القلعة الأمل يزيد والبشر المؤمنة في الموجة يزيدوا إيمان بقدرتها لكن كل ما كانت الموجة ضعيفة عدم المؤمنين بيقل وما بيفضلش غير قلة مندسة يحسبها أهل المدينة مجانين، عاملين زي الشيخ جلال اللي بينخور السور بعضمة، البشر المجانين دول هما (الآخر) بالنسبة لسكان المدينة، سكان المدينة اللي اتعودت على الجدران واتعودت على مراقبة وعقاب قُواد القلاع والطوابي.
نرجع بقى مرجوعنا للمدينة الحقيقية مش مدينة الخيال ولحظة ثباتها ونوستالجيتها، هنلاقي جرايد معارضة ما حدش بيقراها واللي بيقراها بيتمهزءوا عليه سواء في الدراما ولا في الواقع "يا عم سيبك منه شكله من بتوع المعارضة" ومتصورينه آخر على حافة الجنون بيقول كلام غريب زي فيلم (فوزية البرجوازية)، ودا حصل مع كل موجة جزر، لما الناس اللي بتنزل تخف يبتدي الكلام يتقال "دول بتوع السياسة" "دول النشطاء" وكل ما الموجة تعلا الكلام يقل، مفيش موجة واحدة بتهد، لكن الموجات مع الوقت بتفرق
"little drops of water
Little grains of sand
 Make the mighty ocean
 And the pleasant land"
لكن التراكم دا، اللي شكله بديهي، بيتواجه باعتراضات، ودا طبيعي لأن سكان المدينة المحرومة من البحر بسور وقلاع محرومين من التواصل مع أنفسهم بأسوار وقلاع غير مرئية.
نرجع ل #جبنا_آخرنا، أي حملة معارضة لنظام لها أغراض مباشرة بتعبر عنها وأغراض بتكشف عنها في مسيرتها غرض الحملة المباشر التضامن مع المضربين المعتقلين بسبب قانون النظام اللي جرم بيه التظاهر، وغرضها الواضح كمان تعبير إننا اللي برة طهقنا خلاص و#جبنا_آخرنا من الزهق وصبرنا نفد، ومش معناها خالص إننا جبنا آخرنا وبقينا قليلي الحيلة، بس لها غرض كمان مهم وخفي، إن الشيخ جلال اللي بيحفر الجدران بعضمة ما يحسش إنه لوحده، وإن المعارض ما يحسش إنه الآخر المجنون المنبوذ المعزول ولأن الحملة حملة مطلبية ولسه ما أسقطتش النظام وبتعمل في وسط نظام الحكم والنظام الاجتماعي مسيطرين عليه، فهي بتواجه باعتراضات طبيعية ناتجة عن سيطرة نظام الحكم والنظام الاجتماعي وسيطرة الذهنية اللي بتساعدهم ع الحكم، سيطرة ال govern-mentality على سكان المدينة اللي ع البحر،
 أول اعتراض بيتقال على أي حملة زي #جبنا_آخرنا أو أي تحرك بسيط "وهي يعني هتعمل حاجة ولا انتم هتعملوا حاجة" دون تحديد إيه هي أصلًا (الحاجة)، وعشان نفهم الاعتراض دا ونابع منين لازم نعرف إننا أولاد نظام مُعسكر، سياسيًا واجتماعيًا، مش بس سنة 2014 لا دا 1954 ويمكن من 1824 كمان، وكلنا اتولدنا في ظل النظام دا عشان نحترم القوة والسلطة والسيطرة، واتعلمنا تاريخنا إنه كله فشل لغاية ما جا البطل المخلص وحفظنا الأغاني اللي بتهتف له "ثوار ... مع البطل اللي جابه القدر" و"الله ع الشعب وهو بيهتف باسم زعيمه" اتعلمنا تاريخنا إن ثوارته كلها فشلت من 1881 ل 1919 لغاية ما جات حركة الجيش المباركة -زي ما سموها في الأول- خدت بإيدنا ونقذتنا إلخ إلخ في يوليو 1952، في ظل الذهنية دي بنحترم الانقلاب وبس أو بمعنى أصح مفهومنا عن الثورة منحصر في (الثورقلاب) re(coup)lution  ومستنيين حد ييجي يعملها فنهتف له ونسميها ثورة ونخرس اللي يسميها انقلاب والذهنية دي اتربينا عليها، وسمعنا اعتراضها قبل كدا وقت الاتحادية وما بعدها "الاخوان سيطروا وانتم خلاص مش هتعرفوا تعمل حاجة" وكانت بتجهز وبتعيد عمل عقلية "لا غالب إلا الميري"، احنا أبناء العقلية ديه اتربينا جوا militarized camp اللي بالصدفة إن الكلمتين في العربي "مُعَسكر".
الاعتراض التاني على أي حملة زي #جبنا_آخرنا "وهي الناس هتحس بيكم" الحقيقة إن البشر اللي ساكنين جوا المدينة أم أسوار مرئية وخفية مش بيحسوا بأي حد غير جسمهم، حتى جسمهم ما بيحسوش بيه قوي، هما قابلين وراضيين بالسور الخفي اللي عازلهم عن بعض لكن السور مش قدر ولأن السور مش قدر، المجانين اللي زي الشيخ جلال بيحفروا فيه بمعلقة، والبشر اللي محبوسين جواه برضه قابلينه كقدر لأنهم اتربوا على كدا من زمان، كام مرة اتربينا إن الغريب اللي بيبص لنا عدو؟ كام مرة سمعنا "خبي ورقتك عن زميلك" "داري منه الملزمة لا يجيب مجموع زيك" "صاحبتك دي منفسنة منك وبتحسدك" كل الجمل دي بتسيد عقلية "كلهم أعدائي ولازم أخضعهم وأن ما قدرتش لازم اعتصم بالسور يحميني منهم" وأكيد أي عمل عاوز يهد السور يبقى مش مقنع لها.
الاعتراض التالت على حملة زي #جبنا_آخرنا "إنتم بتكلموا نفسكم والإعلام مش هيحس بيكم"، لكن الإعلام مش محايد أصلًا، هو شغال عند كبار القلعة اللي ع البحر، ولما الموجة بتعلا بيعمل نفسه مع السكان اللي عاوزين يثقبوا السور ويهدوه، لكنه عبد مخلص لصاحب القلعة والسور المرئي والخفي، التلات سنين اللي فاتوا الموج علي وكسر كابينة صحاب القلاع ووقع بعضهم، فالإعلام خد ساتر من غضب الموج والبشر ودخل جوا لغاية ما ييجي قيصر جديد، فلما قيصر الجديد رجع الإعلام لخدمة سيد القلعة والسور والقلاع المحيطة الخفية والمرئية، وأهل المدينة اللي اتخدعوا صدقوا إنه معاهم لكن اللي ما صدقوش عارفين كويس وبيضحكوا في سرهم ويقولوا "ما احنا اتفقنا من الأول إنها وكالات من غير بواب ولا صاحب، وصحاب اللي بيدفع لهم ويكسبهم".
الاعتراض الرابع "احنا شعب وسخ مش بتاع عمل جماعي ولا ثورة" ودا بنسمعه طول الوقت وفي أي مناسبة، البعض - أنا منهم - بيقول كدا من يأسه اللحظي والبعض الآخر مؤمن بكدا، لأنه أتربي في المُعسكر على احتقار نفسه واتربى في المدينة أم سور حاجز البحر عنها على عقدة الأجنبي الساكن برة السور ولأن تربية المعسكر علمته يحتقر نفسه وأقرانه، بيفسر العمل الجماعي إنه زي طابور الجيش، وبيحترم قوي رنة الكعب المنظمة اللي من غير روح، لما بيتكلم عن روح الفريق يبقى بيقصد روح الفريق أركان الحرب قائد الفرقة في الطابور، بيحترم الموسيقا اللي مش باين منها غير المايسترو ويحتقر المزيكا اللي بتعتمد على ارتجال العازفين من غير قيادة، بيعشق أوركسترا الجيش الأحمر العسكري ويحتقر التخت والجاز والسمسمية، وعقدته مش هتنحل غير بانضمامه للي شايفهم أحسن منه، مؤمن بإن الشعب لا يستحق الثورة -مش بيقولها في ساعة يأس وقرف وخلاص- فهينضم للحكام، مؤمن بأن الأجنبي خارج السور افضل منه كقضاء وقدر غالب مش كنتيجة لتطور تاريخي مختلف فهيهاجر له ويشاركه سيطرته وهيمنته واستعماره وعنصريته.
 دول الكام اعتراض اللي قريتهم اليومين اللي فاتوا وحبيت أرغي عنهم، وكلامي مش غرضه إقناع/تجنيد حد، لكن "خد فكرة واشتري بكرة" وقلب الكلام في دماغك جايز بعد أسبوع ولا بعد شهر ولا بعد سنة أو سنين تحس إنه صح، غرض كلامي الوحيد تبص حواليك وتشوف الأسوار اللي محاوطاك وتحس بيها.

*شكرًا للصديقة آسية أحمد على تجميعها للتغريدات.

** تم التنسيق باستخدام الخط الأميري الصادر حسب رخصة المشاع الإبداعي.

الاثنين، 1 سبتمبر 2014

ذكر الراقصين الذكور (الخولات) في القرن التاسع عشر

ذكر الراقصين الذكور (الخولات) في القرن التاسع عشر

كارت بوستال من أوائل القرن العشرين بالعربية والفرنسية لراقص (خول) نقلًا عن @so2rate 

"ويتظاهر كثير من القاهريين أو يقنعون بأن رقص الغوازي لا يعيبه سوى أنه من النساء اللائي يجب ألا يعرضن أنفسهن هكذا، فيستخدمون رجالًا يحلون محلهن، غير أن هؤلاء وهم مصريون مسلمون، وجلهم من الشبان، ويسمون (خولات)[1]، قليلون جدًا، وإذ كان هؤلاء يقومون بدور النساء فهم يرقصون رقص الغوازي تمامًا، كما أنهم يستعملون الصنوج، ولكنهم، كأنهم يدفعون فكرة كونهم من النساء حقًا، يرتدون ما يناسب حرفتهم غير الطبيعية، إذ هم يجمعون بين صفتي الذكر والأنثى، فيلبسون على الأخص سترة ضيقة وحزامًا وجبة، والأنوثة تغلب على هيئتهم العامة، فهم يرسلون شعورهم ويضفرونها، وينتفون شعر الوجه، ويتكحلون ويتخضبون، وكثيرًا ما ينتقبون عندما يسيرون في الشوارع في غير  وقت الرقص، وهم لا يفعلون ذلك خجلًا، وإنما يفعلونه تقليدًا للنساء فقط، وكثيرًا ما يُفضلون على الغوازي، فيستخدمون للرقص في الحفلات الخاصة، وكثيرًا ما يرقصون أيضًا في الحفلات العامة.
ويوجد في القاهرة طبقة أخرى من الراقصين الذكور يشبهون (الخولات) في الرقص والملبس والهيئة العامة، ويميزهم تسمية مختلفة (چنك)، وهي تعبير تركي ذو معنى دارج يعبر  تمامًا عن خلقهم، وهم على العموم من اليهود والأرمن والأروام والأتراك"

المصريون المحدثون، عاداتهم وشمائلهم
نقله إلى العربية: عدلي طاهر نور



[1] ويُطلق على الفرد من تلك الطبقة أيضًا لفظ (غايش). إ.و.لين

الثلاثاء، 17 يونيو 2014

لماذا تنوح الحمامات عند الفجر إدواردو ﮔاليانو

لماذا تنوح الحمامات عند الفجر
إدواردو ﮔاليانو
ترجمة: ياسر عبد الله

في ليلة ما ذهب زوجا حمام، ذكر وأنثى، إلى الرقص، قتل الذكرَ شخصٌ ما كان يحمل ضغينة ضده، كان الحفل مبهجًا ولم ترغب الأنثى في التوقف عن الاستمتاع بوقتها، قالت :"في الليل أغني وعند الصباح أنوح"، وحين أشرقت الشمس في الأفق ناحت.
ذلك ما أخبرتني به مالينا أﮔويلار، كانت جدتها قد أخبرتها بهذا الخبر، امرأة لها عينان رماديتان وأنف ذئبية، تسحر أحفادها ليلًا، أمام نيران موقد الفحم، بحكايات عن الأشباح التي تسكن البيوت والحناجر المشقوقة.

From Eduardo Galeano, days and nights of love and war, translated by Judith Brister, Pluto press (2000)
تم التنسيق باستخدام الخط الأميري الصادر حسب رخصة المشاع الإبداعي.


الأحد، 8 يونيو 2014

في النصب والانتصاب


في النصب والانتصاب

ياسر عبد الله

تأصيل لغوي:

ن ص ب: (نَصَبَ) الشيءَ أقامه وبابه ضَرَبَ و(المَنْصِبُ) بوزن المجلس الأصل وكذا (النِصَابُ) بالكسر.
و(نَصِبَ) تَعِبَ وبابه طَرِبَ، وهمٌ (نَاصِبٌ) أي ذو نَصَبٍ كرجل تامر ولابن، وقيل هو فاعل بمعنى مفعول فيه لأنه يُنْصَبُ فيه ويتعب كَلَيْلِ نائم أي يُنام فيه ويوم عاصف أي تَعصِفُ فيه الريح، و(النَّصْبُ) بوزن الضَّربِ ما نُصِبً فعُبِدَ من دون الله وكذا (النُّصْبُ) بوزن القُفْلٍ وقد تضم صاده أيضًا والجمع (أنصاب)، و(النُصْبُ) أيضًا الشر والبلاء ومنه قوله تعالى {بِنُصبٍ وعَذَابٍ}
                                                                                                                   مختار الصحاح
                                                                                                                 مادة ن ص ب.

مفتتح:

ليس لدى المارشال من ينصبه لذا يبحث عمن يناصبه العداء، ويخوض، هو الذي لم يخض حربًا قط، حربًا مع أشباحه، أشباح مركبة منحته شرعيات متراكبة متراكمة في مراحل مختلفة من حياته وأيام صعوده.
حربه الأولى مع شبح رئيس منحه شرعيته كوزير دفاع، رئيس خلعه فيما بعد من منصبه لكنه فشل في خلعه من رأسه، فظل ينصبه ويناصبه كطيف طارق يطارده، مرة بطلب تفويض شعبي يواجه به شبح شرعية الصندوق ومرة أخرى بمد أيام التصويت ثلاثًا ليتغلب، ولو بالتمديد والإطالة على عدد مصوتي الرئيس الذي منحه شرعية وزير الدفاع وقائد الجيوش ليخلعه بذات الشرعية، وشبح المؤسسة، تلك التي ترشح وهو يرتدي بزتها وهو يعلم علم اليقين أن هالته تكمن في بيادتيه وكتافاته، فظلت هالته العسكرية شبحًا يطارده، فلم ينس أن يرقِ نفسه إلى رتبة المشير بعد أن منحته المؤسسة تفويضها وشرعيتها، يرتقي بنفسه ليعلو في التراتب العسكري على آخر رئيس من داخل المؤسسة، المخلوع الفريق أول محمد حسني مبارك.
لكن أسوء أشباح المارشال شبحًا كامنًا، يجتاح شرق المتوسط مثلما اجتاح شبح الشيوعية أوروبا في مفتتح البيان الشيوعي، شبح لم يفوضه ولم يمنحه شرعية لكنه أنشئ الوضع الذي صعد به إلى سُدة الحكم، شبح الميدان الذي أدعى من سبقه الحلفان أمامه، لذا يستبدل المارشال جموع الرؤوساء بجموع الميدان، الميدان الذي لا يملك الاعتراف به، يعرفه مؤيدوه كنكسة، ولا يملك إنكاره، شبح كامن يذكره بولائه للفريق أول المخلوع مهما حلفت له جريدة العساس البريطانية بأغلظ الأيمان، يعلم جيدًا أنه لو لم يعترف بشرعية الميدان ولو اسمًا عليه أن ينكر شرعيته نفسها.
وحدهم مؤيدوه من المارشالجية لن يروا تلك الحرب الخفية التي يخوضها مارشالهم ضد أشباحه لأنهم يحاربون أشباحهم الأُخَر.

حاشية واصطلاح:

مارشالجية على نحو عرضحالجية وعربجية وبلطجية، اصطلاح مُركب من مارشال، وهو اسم أعجمي لرتبة المشير، وزائدة جي الموروثة من العثمانية والدالة على المهنة، يحب المارشالجية صيغة النسب (جي) ويكثرون من استخدامها، على نحو ينايرجية ويسارجية وغيرهم، ويُسَرون من الألفاظ الأعجمية، هم الذين سخروا من مرسي حين أفتي بأن الجاز والكحول don't mix، لكنهم لا يكفون عن تحذير أطفالهم من مسح ال nose بال dirty hand.
يحب المارشالجية دولة المارشال، تصورهم عن الدولة بسيط، هرم قائم الزوايا تجلس فوقه بدلة مارشال خاوية وفي يدها عصا المارشالية، تصوراتهم عن المجتمع المصري قائمة على خيالات درامية غذتها مسلسلات أسامة أنور عكاشة ومعرفتهم بالتاريخ قائمة على مسلسلات الأعوام الأخيرة التي أنتجتها تباعًا ال MBC.
مثل المارشال يحارب المارشالجية أشباحهم الخاصة، شبح عالم يستهدفهم لكن لابد من إبهاره، شبح دول تتآمر عليهم لكن لابد من تحيتها بمهرجانات السياحة لجلب رؤوس الأموال، لكنهم مثل مارشالهم الذي علمهم المارشالية وانتظروه طويلًا ليملئ فراغ قمة الهرم ويلبس البدلة، مسكونين بشبح الميدان، إنهم يريدون إبهار العالم لكنهم يعرفون إن العالم لم يهتم بأخبار مصر الداخلية طوال أكثر من ثلاثة عقود سوى أثناء اعتصام التحرير، ال 18 يومًا الملعونة عندهم، التي هزت الجمود المباركي لكنها لفتت نظر العالم، مثل شبح الينايرجية يريد أنصار المارشال إبهار العالم، حتى لو لم يستطيعوا الذهاب إليه في عقر داره، فلا بأس من إحضاره إلى عقر دارهم.
مثل المارشال، يبجل المارشالجية مارشالًا سابقًا، كان بكباشيًا لكنه لم يتوانى عن رفع عصا المارشالية وتصميم لباس نازي بلون أزرق بروسي على صدره زهرة لوتس.

تأريخ:

ينتمي السادات إلى تصور مارشالي عن العالم، قائم على قيادته ككبير للعائلة لكل الأشياء، لكن السادات أيضًا هو منشئ النيو ساداتية التي سار عليها مبارك من بعده، النيو ساداتية كانت المرحلة الثانية بعد اتباع المنهج الناصري، مرحلة صعد فيها مبارك إلى مقعد نائب الرئيس وسارع السادات في تطبيق برنامج الانفتاح، الذي سيسمى بعد ذلك برنامج الخصخصة.
يعود المارشال الجديد إلى شبح المارشال القديم، يحلم به وبسيفه وبساعته، ويأمل في تحقيق النيو ساداتية كما كانت في بدايتها، نيو ليبرالية بإشراف الجيش، نيو ليبرالية عطلها مبارك بجموده وبرغبته في توريث الحكم، وعجز عن تنفيذها المدنيون فصارت بحاجة إلى حسم مارشال عسكري.
الأمر الذي ينساه المارشال في حلمه بشبح المارشال القديم أن قامات الموتى عاجزة عن الانتصاب.

حاشية وانتصاب:

يتوسط العمر فيناصب جسد الإنسان العداء للإنسان، يراكم الميت فوق الحي، وتنزع الأعضاء للانجذاب نحو الأرض، هكذا ينصب الإنسان كرشًا يجره نحو الأرض ويحني قامته إلى الأمام ويمنعه من الانتصاب، ويضغط الكرش الميت على أسفل البطن فيمنع أعضاءً مخفية من الانتصاب.
كان المشير السابق على المشير الحالي شيخًا كبير، يظهر بقامة محنية لا تنتصب، مرتين عجز خلالهما عن نصب القامة العسكرية أمام مراكز القوى التي يرغب المشير الحالي في الحرب عليها، في نوفمبر 2011 ظهر محنيًا يعلن تحديد موعد تسليم السلطة للأعداء الطفوليين، للمدنيين، ومرة أخرى في فبراير 2012، ظهر محنيًا عاجزًا عن نصب إصبع واحد ومتمتمًا بكلمات بلا معنى "لازم الشعب كله يشارك".
في الأسبوع الأول من يوليو 2013 كان لابد من انتصاب الهامة والجسد ولو بمساعدة المنشطات، تسارع هوس نساء الطبقة الوسطى بالعسكر الوسيم، بعد أن تنحت صورة لاعب الكرة الوسيم وصورة مشجع الكرة الشوارعي، الأكثر وسامة وشجاعة الذي يخفي جسدًا منحوتًا منتصبًا، والإخفاء سر الفضول، عادت النسوة في المدينة إلى خيالات قديمة، وغنت خادمة المنزل "عاوز أتطوع طيار" ورددت أخرى "يا أبو الشريط الأحمر يا اللي"، عادت البنات الضالات إلى حضن أبناء الطبقة وتبادلن صورًا لفتيان ذوي حسن أنثوي، مرداء يشبهون مهند التركي، لكنهم منتصبو القامة داخل البدلة العسكرية، انتصاب القامة تلك هي المسألة.
ربما هي ليست المرة الأولى التي يصبح فيها خطاب الفحولة خطاب في مركز المشهد السياسي، قبل ذلك تداول المصريون نكاتًا عن فحولة المارشال السادات، "همت يا بنتي" كانت سر حيوية الفترة في المُخيلة الشعبية مقابل ثلاثة عقود خالية من إشاعات عن عشيقات محتملات سوى همس خافت، تردد بعد سقوط المخلوع، عن علاقة مع استر بولانسكي سببت اعتزالها.

حلم وواقع:

يعرف المصريون الشعبيون تلك المراهم والسفوف والبلابيع والحبوب، حُق عنبر يؤخذ منه بعود كبريت، وحجر جهنم يعجز الدائر عن شمه فضلًا عن بلعه، يعرف الجميع فضل الأفيون سوى النساء، يُدخل الأفيون آكله في سِنة تامة تلقيه في غيابات السُكر، فيشعر معها بأنه فحل الفحول بينما يكون عاجزًا عن انتصاب كامل.
مثل آكل الأفيون يقف لابس البدلة، يحلف أمام الوفود المحمولة جوًا، وينصب نفسه فليس لديه من ينصبه، مثل الإمبراطور صاحب الملابس، يقسم أتباعه بحسن ملابسه وعظمتها، بينما يعرف الجميع أنه يحلف عاريًا دون حتى ورقة توت خلع الإخوان وإنقاذ الوطن، لا يستره سوى قطرات دماء تناثرت من قتل أبرياء جراء الحرب على الأشباح.

خاتمة:

"إذا أراد ربنا هلاك نملة أنبت لها أجنحة"

مجموعة من 999 مثلًا جمعها شرف الدين بن أسد وترجمها وطبعها لويس بوركهاردت (1818)

·         تم التنسيق باستخدام الخط الأميري الصادر حسب رخصة المشاع الإبداعي