‏إظهار الرسائل ذات التسميات جدران. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات جدران. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 14 سبتمبر 2014

عن القهر والانتحار والخوف



عن القهر والانتحار والخوف
ياسر عبد الله
(تويتات مجمعة ومرتبة)
ما بقاش ينفع تدخل الحيط، أينما تكونوا يدرككم القهر، لو تعبت ابعد شوية وارجع، حياتك مش هتبقى أحلى لو بطلت كلام في السياسة عشان مش هي دي المشكلة، مش المشكلة إن فيه ناس بتهري في السياسة، المشكلة إن الساسة بيتحكموا في حياة ملايين من غير حساب وإنت من ضمن الملايين دول، لو ما سمعتش سياسة على تويتر، وإنت راكب ميكروباص هتشوف القهر بالصدفة لمجرد إن أمين شرطة قرفان بالليل من وقفة الكمين وله سلطة على حياتك قرر يقهرك.
ممكن تنسى منظومة القهر، لكنها هتقتحم حياتك وهتفكرك، فهتلاقي ميول انتحارية ظهرت، ودا طبيعي، الميول الانتحارية طبيعية في منظومة قهر لكن مش هي الحل.
بدل ما تؤذي نفسك عشان اكتشفت منظومة القهر وإنت ماشي بالصدفة، استرد حقك من اللي أذوك وبيؤذوك ويؤذوا غيرك لمجرد إن لهم سلطة يعملوا كدا.
ما حدش فينا بيختار يكتئب، ما حدش فينا اختار يبقى عنده مشاكل نفسية، لكن دي مش جريمة حد فينا برضهن كلنا اتولدنا عشان نلف زي التيران في الساقية، كلنا عاوزين نبتسم للحياة ونشوفها وردية، لكن الحياة الوردية مش هتيجي بدهان صندوق الزبالة وتخيله فازة ورد، الحياة الوردية هتيجي بنسف الزبالة من أساسها، ما حدش فينا مبسوط بإن جواه طاقة كراهية، كُتب علينا وهو كُره لنا، نفسنا في طاقة محبة، لكن المحبة الزائفة اللي بترضى بالظلم وتزيفه وتزينه ما تلزمناش.
كلنا مظاليم من أول ما اتولدنا، لا اخترنا أب ولا أم ولا فقر ولا بلد ولا بيت ولا دراسة ولا دين، وفوجئنا أول ما فتحنا عينينا إننا بنتحاسب على دا وحساسيتنا تجاه الظلم مختلفة، فيه ناس زيي بتختار تشتم وتزعق وتتنرفز وفيه ناس احتمالها أكبر، ما تحاسبوش الناس على مزاجهم قبل ما تعرفوهم.
فضفضوا لبعض وانسوا لبعض، اللي بيفضفض لك في لحظة بعبعة مش عاوز يسمع البعبعة اللي قالها تاني، اسمعها واهتم بيها وافهمه وطبطب عليه بس ما تفكروش.
احنا عايشين حياتنا خايفين، بنبوس واحنا خايفين، بنحب واحنا خايفين، بننام واحنا خايفين نصحى ما نلاقيش الملاليم اللي بنقبضها، فمش طالبة نقعد نستجوب بعض ونخاف من بعض.

*تم التنسيق باستخدام الخط الأميري.

عن #جبنا_آخرنا والأسوار الحاجزة بيننا



عن #جبنا_آخرنا والأسوار الحاجزة بيننا
ياسر عبد الله

(تغريدات مُجمعة ومرتبة ومنقحة)
حابب أرغي شوية بخصوص #جبنا_آخرنا وكام اعتراض قريته خلال الأيام الأخيرة وبعضها اعتراضات مُكررة عنها وعن غيرها، كلامي مش بغرض اقناع/تجنيد حد لكنه مجرد عصف ذهني وتفكير بصوت عالي، عشان نفهم سبب #جبنا_آخرنا أو غيرها لازم نرجع نعصف ذهننا بخصوص نظام الحكم في مصر والنظام الاجتماعي وإزاي بيعملوا في توازي وترابط دائم، التوازي والترابط الدائمين دول، غرضهم كما هو غرض كل أعمال الأنظمة هو تأبيد النظام واحتواء أزماته بل وتجنيدها لتجديده في أغلب الأحيان، وعشان نعصف ذهننا بخصوص النظام سواء نظام الحكم أو النظام الاجتماعي السائدين في مصر لازم نتأمل لحظة ثباته المُثلى وهي نفسها لحظة الحنين السائدة كمان، لحظة ثبات النظام المُثلى في مصر اللي كان النظام بيبذل فيها أقل مجهود عشان يستمر هي نفس فترة النوستالجيا اللي بيمارسها الوعي المجتمعي الجماعي واللحظة دي حاليًا هي فترة التمانينات-التشعينات، أو النصف الأول من حُكم مبارك، تقريبًا من 1982 إلى 1998، في الفترة دي سادت معارضة مستأنسة تمارس النقد لا النقض، يعني مش عاوزة تغير النظام هي عاوز تعدله بس، والمعارضة دي بالنسبة للنظام بتعمل كخلايا المناعة بالنسبة للجسم، ومعارضة أخرى مسلحة والمعارضة المسلحة سادت في المناطق غير الحضرية حتى جوا الحضر نفسه، أو بعبارة أخرى كانت في الهيش والجبل مش في قلب البلد، ولعبت دورين أساسيين الدور الأساسي الأول دور العدو الرئيسي لنظام الحكم ونظام المجتمع، أو بعبارة تانية دور الخطر الأحمر في أمريكا المكارثية The red menace  والدور دا كان فزاعة أمام أي معارضة محتملة غير مسلحة، وكان بيؤدي للمعارضة المستأنسة إنها تروح أكتر وأكتر تحتمي بالنظام خاصة مع حوادث قتل أو محاولات قتل لمثقفين أشهرهم فرج فودة ونجيب محفوظ، اللي كانت بتؤدي بالمثقفين بدل نقد النظام للتعاون معه ضد (الخطر القادم) في حاجات زي سلسلة المواجهة اللي كانت بتصدرها الهيئة العامة للكتاب، السلسلة اللي كانت بتصدر على هيئة كتيبات (تنويرية) بعضها هام لكنها صورت الدولة والنظام بمنظر المستبد العالم العادل، الدور التاني اللي لعبته المعارضة المسلحة دور العامل الحفاز لأي قمع يمارسه النظام والدور دا خلا النظام السياسي السائد بمعارضته المستأنسة والنظام الاجتماعي كمان بمعارضته المحتملة، يرضوا بحدودهم ويخافوا من العين الحمرا، ليه اخترت سنة 1998 كنهاية للمرحلة؟ عشان كام سبب منهم إني أتذكر إن المراجعات والمصالحات مع الجماعات الإسلامية المسلحة انتهت في ذا التاريخ ومنها إن 1997 شهد آخر عملية إرهابية كبرى ضد سائحين اللي هي عملية الدير البحري وبعد كدا انحصر الموضوع تقريبًا في شبه جزيرة سيناء.
المهم بعد 1998 ابتدا يحصل تراكم بدائي لحالة سخط على النظام، وبقى فيه حوادث غير مقنعة زي حادثة أبو العربي في بورسعيد اللي اتقتل عشان هيقدم شكوى والموضوع ابتدا يتصاعد بسبب ظروف أخرى خارجية زي الانتفاضة الفلسطينية وحركة دعمها في مصر، وحرب العراق ومظاهرات معارضتها في مصر لغاية ما وصلنا 2005 وتعديل الدستور النظامي عشان يبقى فيه انتخابات رئاسية، وحركة المدونين في 2006، وبعد كدا إضراب 6 أبريل 2008 وانتم عارفين الباقي.
 بعد 2011  فيه حالة قلق عام، لا تشمل فقط نظام الحكم والنظام السياسي لكنها بتنسحب على النظام الاجتماعي التقليدي اللي فجأة إحساسه بالانهيار زاد جدًا ومع كل أزمة جديدة بيواجه بالنوستالجيا الفارغة لحنين للحظة ماضية متخيلة، هو عبر عنها بالتسعينات، لحظة كانت أقل قلقًا أكثر ثباتًا ودي نفس اللحظة اللي نظام الحكم عاوز يرجع لها، نظام سياسي زائد فيه تحالف واسع متخيل ضد خطر متخيل ومنفوخ فيه "مش أحسن ما داعش تيجي" إلخ، إيه علاقة الحدوتة الطويلة دي ب #جبنا_آخرنا أو #كفاية أو غيرها؟ أقول لكم.
 طوال فترة حكم أي نظام فيه مد وجزر لقوى تهدف نقضه من أساسه وسقوطه الموجات دي عاملة زي موج البحر قدام قلعة، يا إما تبقى عالية والقلعة تقدر تصدها بس الموجة تشرخ القلعة شوية، يا إما موجات ضعيفة لا تؤثر وعشان نكمل التخيل فالقلعة زي سور الصين العظيم محاوط مدينة كاملة عمرها ما شافت البحر ومليئة بالبشر كأن السور هو  الجدار اللي قال عنه أمل دنقل
"آه .. ما اقسى الجدار
عندما ينهض فى وجه الشروق
ربما ننفق كل العمر .. كى ننقب ثغرة
ليمر النور للأجيال .. مرة"
البشر اللي ساكنة المدينة الخيالية دي زينا بشر اعتادوا احترام الجدران المرئية وغير المرئية والتعامل معها كأقدار ثابتة، لكن فيه بعضهم عندهم أمل في الموج كل موجة يزيد أملهم إنها تكسرالجدران وتدخل لهم البحر المحرومين منه، وكل لما الموجة تعلا وتدق باب القلعة الأمل يزيد والبشر المؤمنة في الموجة يزيدوا إيمان بقدرتها لكن كل ما كانت الموجة ضعيفة عدم المؤمنين بيقل وما بيفضلش غير قلة مندسة يحسبها أهل المدينة مجانين، عاملين زي الشيخ جلال اللي بينخور السور بعضمة، البشر المجانين دول هما (الآخر) بالنسبة لسكان المدينة، سكان المدينة اللي اتعودت على الجدران واتعودت على مراقبة وعقاب قُواد القلاع والطوابي.
نرجع بقى مرجوعنا للمدينة الحقيقية مش مدينة الخيال ولحظة ثباتها ونوستالجيتها، هنلاقي جرايد معارضة ما حدش بيقراها واللي بيقراها بيتمهزءوا عليه سواء في الدراما ولا في الواقع "يا عم سيبك منه شكله من بتوع المعارضة" ومتصورينه آخر على حافة الجنون بيقول كلام غريب زي فيلم (فوزية البرجوازية)، ودا حصل مع كل موجة جزر، لما الناس اللي بتنزل تخف يبتدي الكلام يتقال "دول بتوع السياسة" "دول النشطاء" وكل ما الموجة تعلا الكلام يقل، مفيش موجة واحدة بتهد، لكن الموجات مع الوقت بتفرق
"little drops of water
Little grains of sand
 Make the mighty ocean
 And the pleasant land"
لكن التراكم دا، اللي شكله بديهي، بيتواجه باعتراضات، ودا طبيعي لأن سكان المدينة المحرومة من البحر بسور وقلاع محرومين من التواصل مع أنفسهم بأسوار وقلاع غير مرئية.
نرجع ل #جبنا_آخرنا، أي حملة معارضة لنظام لها أغراض مباشرة بتعبر عنها وأغراض بتكشف عنها في مسيرتها غرض الحملة المباشر التضامن مع المضربين المعتقلين بسبب قانون النظام اللي جرم بيه التظاهر، وغرضها الواضح كمان تعبير إننا اللي برة طهقنا خلاص و#جبنا_آخرنا من الزهق وصبرنا نفد، ومش معناها خالص إننا جبنا آخرنا وبقينا قليلي الحيلة، بس لها غرض كمان مهم وخفي، إن الشيخ جلال اللي بيحفر الجدران بعضمة ما يحسش إنه لوحده، وإن المعارض ما يحسش إنه الآخر المجنون المنبوذ المعزول ولأن الحملة حملة مطلبية ولسه ما أسقطتش النظام وبتعمل في وسط نظام الحكم والنظام الاجتماعي مسيطرين عليه، فهي بتواجه باعتراضات طبيعية ناتجة عن سيطرة نظام الحكم والنظام الاجتماعي وسيطرة الذهنية اللي بتساعدهم ع الحكم، سيطرة ال govern-mentality على سكان المدينة اللي ع البحر،
 أول اعتراض بيتقال على أي حملة زي #جبنا_آخرنا أو أي تحرك بسيط "وهي يعني هتعمل حاجة ولا انتم هتعملوا حاجة" دون تحديد إيه هي أصلًا (الحاجة)، وعشان نفهم الاعتراض دا ونابع منين لازم نعرف إننا أولاد نظام مُعسكر، سياسيًا واجتماعيًا، مش بس سنة 2014 لا دا 1954 ويمكن من 1824 كمان، وكلنا اتولدنا في ظل النظام دا عشان نحترم القوة والسلطة والسيطرة، واتعلمنا تاريخنا إنه كله فشل لغاية ما جا البطل المخلص وحفظنا الأغاني اللي بتهتف له "ثوار ... مع البطل اللي جابه القدر" و"الله ع الشعب وهو بيهتف باسم زعيمه" اتعلمنا تاريخنا إن ثوارته كلها فشلت من 1881 ل 1919 لغاية ما جات حركة الجيش المباركة -زي ما سموها في الأول- خدت بإيدنا ونقذتنا إلخ إلخ في يوليو 1952، في ظل الذهنية دي بنحترم الانقلاب وبس أو بمعنى أصح مفهومنا عن الثورة منحصر في (الثورقلاب) re(coup)lution  ومستنيين حد ييجي يعملها فنهتف له ونسميها ثورة ونخرس اللي يسميها انقلاب والذهنية دي اتربينا عليها، وسمعنا اعتراضها قبل كدا وقت الاتحادية وما بعدها "الاخوان سيطروا وانتم خلاص مش هتعرفوا تعمل حاجة" وكانت بتجهز وبتعيد عمل عقلية "لا غالب إلا الميري"، احنا أبناء العقلية ديه اتربينا جوا militarized camp اللي بالصدفة إن الكلمتين في العربي "مُعَسكر".
الاعتراض التاني على أي حملة زي #جبنا_آخرنا "وهي الناس هتحس بيكم" الحقيقة إن البشر اللي ساكنين جوا المدينة أم أسوار مرئية وخفية مش بيحسوا بأي حد غير جسمهم، حتى جسمهم ما بيحسوش بيه قوي، هما قابلين وراضيين بالسور الخفي اللي عازلهم عن بعض لكن السور مش قدر ولأن السور مش قدر، المجانين اللي زي الشيخ جلال بيحفروا فيه بمعلقة، والبشر اللي محبوسين جواه برضه قابلينه كقدر لأنهم اتربوا على كدا من زمان، كام مرة اتربينا إن الغريب اللي بيبص لنا عدو؟ كام مرة سمعنا "خبي ورقتك عن زميلك" "داري منه الملزمة لا يجيب مجموع زيك" "صاحبتك دي منفسنة منك وبتحسدك" كل الجمل دي بتسيد عقلية "كلهم أعدائي ولازم أخضعهم وأن ما قدرتش لازم اعتصم بالسور يحميني منهم" وأكيد أي عمل عاوز يهد السور يبقى مش مقنع لها.
الاعتراض التالت على حملة زي #جبنا_آخرنا "إنتم بتكلموا نفسكم والإعلام مش هيحس بيكم"، لكن الإعلام مش محايد أصلًا، هو شغال عند كبار القلعة اللي ع البحر، ولما الموجة بتعلا بيعمل نفسه مع السكان اللي عاوزين يثقبوا السور ويهدوه، لكنه عبد مخلص لصاحب القلعة والسور المرئي والخفي، التلات سنين اللي فاتوا الموج علي وكسر كابينة صحاب القلاع ووقع بعضهم، فالإعلام خد ساتر من غضب الموج والبشر ودخل جوا لغاية ما ييجي قيصر جديد، فلما قيصر الجديد رجع الإعلام لخدمة سيد القلعة والسور والقلاع المحيطة الخفية والمرئية، وأهل المدينة اللي اتخدعوا صدقوا إنه معاهم لكن اللي ما صدقوش عارفين كويس وبيضحكوا في سرهم ويقولوا "ما احنا اتفقنا من الأول إنها وكالات من غير بواب ولا صاحب، وصحاب اللي بيدفع لهم ويكسبهم".
الاعتراض الرابع "احنا شعب وسخ مش بتاع عمل جماعي ولا ثورة" ودا بنسمعه طول الوقت وفي أي مناسبة، البعض - أنا منهم - بيقول كدا من يأسه اللحظي والبعض الآخر مؤمن بكدا، لأنه أتربي في المُعسكر على احتقار نفسه واتربى في المدينة أم سور حاجز البحر عنها على عقدة الأجنبي الساكن برة السور ولأن تربية المعسكر علمته يحتقر نفسه وأقرانه، بيفسر العمل الجماعي إنه زي طابور الجيش، وبيحترم قوي رنة الكعب المنظمة اللي من غير روح، لما بيتكلم عن روح الفريق يبقى بيقصد روح الفريق أركان الحرب قائد الفرقة في الطابور، بيحترم الموسيقا اللي مش باين منها غير المايسترو ويحتقر المزيكا اللي بتعتمد على ارتجال العازفين من غير قيادة، بيعشق أوركسترا الجيش الأحمر العسكري ويحتقر التخت والجاز والسمسمية، وعقدته مش هتنحل غير بانضمامه للي شايفهم أحسن منه، مؤمن بإن الشعب لا يستحق الثورة -مش بيقولها في ساعة يأس وقرف وخلاص- فهينضم للحكام، مؤمن بأن الأجنبي خارج السور افضل منه كقضاء وقدر غالب مش كنتيجة لتطور تاريخي مختلف فهيهاجر له ويشاركه سيطرته وهيمنته واستعماره وعنصريته.
 دول الكام اعتراض اللي قريتهم اليومين اللي فاتوا وحبيت أرغي عنهم، وكلامي مش غرضه إقناع/تجنيد حد، لكن "خد فكرة واشتري بكرة" وقلب الكلام في دماغك جايز بعد أسبوع ولا بعد شهر ولا بعد سنة أو سنين تحس إنه صح، غرض كلامي الوحيد تبص حواليك وتشوف الأسوار اللي محاوطاك وتحس بيها.

*شكرًا للصديقة آسية أحمد على تجميعها للتغريدات.

** تم التنسيق باستخدام الخط الأميري الصادر حسب رخصة المشاع الإبداعي.

الجمعة، 3 يناير 2014

لصوص ولكن ظرفاء

لصوص ولكن ظرفاء

الرجل العجوز القاعد أمام المبنى القديم[1] لا يدرك شيئًا عن تاريخه،
لم يرفع ناظريه مرةً ليرى طراز النيوباروك أو أفاريز السقف وتوريقات تيجان الأعمدة
الرجل العجوز القاعد إلى جانب الراديو لا يسمع شيئًا من صوت عبد الوهاب ومحمد فوزي ومصطفى إسماعيل، لكنه يعلم
فوانيس الكاديلاك، رفارف الفورد، وبوق "المرشيدس"
ويدرك، عبر لمحة، ضعف بنية السيارات الكورية الجديدة
الرجل العجوز القاعد يبصر بشح نظره المتبقي مؤخرات العابرات ويُقيمهن،
تلك امرأة من طراز الفورد، متينة حتى لو نحلت رفارفها[2]،
أما تلك الشابة فذات مؤخرة كورية، جميلة المنظر لكنها لا تتحمل كثرة الركوب
الرجل العجوز القاعد يعرف دقائق الأسفلت كلها، لكنه لا يسمعني حين أقول
"حل لي اللغز، لأنك وحدك تعرف الحكاية"[3]





[1] مبنى قديم في شارع الأهرام (إليصابات) بمصر الجديدة، يظهر في مشهد التخطيط لسرقة محل الجواهرجي في فيلم (لصوص ولكن ظرفاء).
[2] من جمل السخرية الشائعة في قاهرة الأربعينات والخمسينات على لسان البوابين النوبيين "الفورد فورد ولو نحلت رفاريفه".

الأربعاء، 20 مارس 2013

الثورة والجدران


الثورة والجدران

فيالشهر الرابع من العام الثاني للثورة المصرية (أبريل 2012)، يتفق جمع ما على هدم جدار حجري بُني في القصر العيني، أصل متأخرًا كعادتي، تقودني الصدفة للوقوف على الطرف الأيسر من كابل كهربي مربوط بإحدى حجارة الجدار، أمامي مباشرة، لا يفصلنا سوى حد وهمي من سواد الكابل فتاة لم أرها من قبل، ألحظ إن يديّ مجاورتان ليديها على نفس الخط المتخيل، أتذكر أنها فتاة فانسحب للخلف، فيما بعد سأرى تلك الفتاة مرة أخرى، دون أن أفكر حتى في إلقاء السلام عليها.
ربما لم تكن العلة في الجدار الحجري، المتجسد القائم بالفعل، الذي حاولنا هدمه سويًا، ربما كانت العلة في جدار آخر، واحد من جدران عديدة متخيلة بنيناها لتفصل ما بيننا، يكتب غوستاف لانداور عن الدولة، أو النظام(السستم بحسب خطاب الرفاق في مجموع راديكال بيروت) كشرط، كحالة جمعية، فالدولة/النظام/السستم، بحسب لانداور، هي نحن، نحاول هدمها ونحن نبنيها في الوقت ذاته.
الجدار الأول: ممنوع الاقتراب أو التصوير:
ربما لن ينس المشاركون في انتفاضة يناير، التي أطاحت بالجنرال العجوز مبارك من على كرسي الحكم وبدأت الثورة المصرية، مشهد نزول الجيش إلى الشارع للأبد، في السادسة من مساء عاصفة الثامن والعشرين من يناير 2011، يأمر الجنرال جيشه بالنزول للوقوف كجدار عازل بين دولته وبين الثورة التي كانت في مهدها.
نزل الجنود لكنهم لم يتعاملوا طبقًا للتصورات الكلاسيكية المكتوبة في تاريخ الثورات، لم ينشق الجنود والضباط عن قيادتهم، لم يتآخوا مع الثوار ويخلعوا ملابسهم الرسمية لينضموا لصفوف الثورة، حتى التنحي سيظل الجنود ومركباتهم العسكرية جدارًا وهميًا حول الميدان، سيحول الزي الرسمي الكاكي الميدان إلى منطقة لها جدران شفافة لكنها عازلة، إلى مستنبت زجاجي ينبت فيه نبتٌ تحت المراقبة والاختبار.
يكتب مارتن هيدغر عن الزي الرسمي الموحد والغرام به كمحاولة من العائشين في العالم المتشظي لتلمس صورة واحدة متناسقة، يخلق الزي الموحد Uniform وحدة النسق Uniformity يخلقها كجدار ذي لون واحد، كاكي يرتدي بيادات، الكثيرون الذين سخروا من خطاب شفيق عن البونبون لم يدركوا أنهم يجلسون في صوبة ذات جدران زجاجية بوضع أشبه بالبونبون المغلف، سيُبنى هذا الجدار عبر الاختلاف في الزي والدرجة، سيكون الهتاف "الجيش والشعب إيد واحدة"، حيث يقدم الجيش باني وحامي الجدار على الشعب العائش في الجدار، وبعد التنحي سيهدم الجيش هذا الجدار على من تبقى من الشعب وخرج عن نص الاتساق الموحد بصحبة موسيقى تصويرية من هتافات "الشعب يريد إخلاء الميدان".
الجدار الثاني: ويسألونك عن الاحتجاجات قل هي فئوية:
قبل التنحي مباشرة، تنطلق شرارة الاحتجاجات العمالية، العامل ذلك الكائن المجرد في كتابات اليسار التقليدية، وبسبب من هذا التجريد نفسه، يمارس احتجاجه المعيشي على حذر، هو يعرف جيدًا إن صاحب العمل قادر على طرده في لحظة، يعرف جيدًا أن عيشه يقطع بجرة قلم، ويعرف جيدًا أن الأفندية الذين جردوه لن ينفعوه.
بعد التنحي، يهتف الجمع للعمل، الجمع الذين اعتبروا بصورة أو بأخرى أن غاية الثورة رحيل البقعة السوداء التي تشوه صورة المثال، الجمع الذي أنتج الكيتش القائل إن الثورة تبني وتهدأ، سينشق العمال عن الجمع، سيخرجون عن الجسد الثوري الموحد، سيبني حولهم جدار عازل، قوامه الاختلاف في الطبقة، الطبقة التي لا تستطيع أن تجوع فترة أطول، فيصمها الباقون بالفئوية.
الجدار الثالث: تعال نهدم الصلبان:
أثناء استنبات النبات في صوبته الزجاجية، في الاعتصام الأول السابق على التنحي، كيتش الثورة بوصفه النفي المطلق للخراء وفخرها الأزلي، تنتشر الصور، معتصمون يصلون وحولهم جدارٌ وهمي، جدار عليه صلبان منقوشة على الرسغ.
قبل أن تتم الثورة شهرها الأول سيهدم البعض هذا الجدار في دهشور، الثورة التي لم تكسر ثنائية الدين، لا تستطيع أن تحمي جدران مكان للتعبد، لا تستطيع أن تحمي مبنى كنيسة، لأنها تغاضت عن شيء هام جدًا لتبرز مثالها، لتر نفسها خالية من الخراء مفعمة بطهرانية المثال، صدرت صورة الجدار الوهمي من الصلبان التي تحمي صلاة المسلمين، دون أن تدري أنها تعاود بناء جدار الفصل بين أصحاب الدينين مرة أخرى.
في أكتوبر 2011 سيهدم الجدار الأول الكاكي الجدار الثالث المكون من أجساد حاملي الصلبان على الرسغ، سيهدمه لأن الجدار يعزل النبات ويُسهل اقتلاعه.
الجدار الرابع: يا حادي العيس رفقًا بالقوارير:
لكني انسحبت سريعًا يومها، خشيت وأنا أشارك مع يديها النسويتين هدم الجدار الحجري أن أمسهما، التحرش تهمة جاهزة إذا حدث هذا التماس العفوي، والثورة لتنف عن نفسها فعل الحب، مارست جدارًا عازلًا بين النساء والرجال داخلها، لم تعِ الثورة أهمية كسر هذا الجدار، زادته عبر حمائية الذكور على النساء وإبعادهن عن محيط الاشتباكات.
في الثامن من مارس 2011، في صبيحة هدم جدران كنيسة دهشور، سيكسر حياء ونفس بعض القوارير في ميدان التحرير، ستكون تلك الحادثة العنف الجنسي الظاهر الأول ضد القوارير، ليعاد بناء جدران النوع الجنسي عبر ألف حاجز وحاجز، النساء معزولات خائفات على سلامتهن الجسدية، لا من قتل بل من إهانة وامتهان، ستنسى الثورة وهي تنفي عن نفسها تهمة المعاشرة الجماعية في الميدان أن تهدم جدار الفصل النوعي بين رجل وامرأة، ستكرسه عبر مليون شكل وشكل.
في نوفمبر 2011، في اشتباكات شارع محمد محمود ستدفع النساء بعيدًا فهن لسن جديرات بالمواجهة المباشرة مع جدران السلطة، سيدفعن بعيدًا لحمايتهن ثم سيتم نفي مشاركتهن في الاشتباكات، وبالتالي نفي الرتبة الثورية الكيتشية الصف الأول عنهن، من قبل من نفس من قاموا بدفعهن بعيدًا بدعوى حمايتهن.
السلطة بوصفها جدران عازلة:
لا يلبس الإمبراطور ملابسه، لكن شعبه لا  يلحظ ذلك، يتغزل الجميع في ملابس الإمبراطور حتى تقول طفلة أن الإمبراطور عاريًا، تكسر كلمات الطفلة الجدار الوهمي للسلطة ببساطة وأصالة غير مصطنعة، هكذا يحكي لنا هانز كريستيان أندرسن.
كيف بنى الاعتصام الأول منابره، في الأول من فبراير عشية خطاب "لا أنتوي"، يقف علاء الأسواني على رصيف هارديز، ذات الموقع الذي ستبنى فيه المنصة الرئيسية، ليفند مزاعم الجنرال العجوز ووعوده، على الرصيف لا يفصله عن المستمعين سوى السور الحديدي للرصيف، يبنى جدارٌ وهمي لسلطة الخطاب، جدار شفاف مثل الكلمة، لكنه حقيقيٌ مثل حقيقية حائط المسرح الأرسطي الرابع الفاصل بين الجمهور والممثلين.
كيف تخيل المحكومون حكامهم قبل التصوير والرسم، لنتصور الأمر، الوالي/السلطان/الخديوي في قلعة الجبل، حوله جدار حقيقي، "قصر الوالي طبعًا عالي"، يصدر الفرمانات النازلة من علٍ على رؤوس المحكومين، بعد التصوير ينزل الحاكم لهم، يسكن في مساكنهم عبر صورته، لكنه يزل خلف جدارٍ لا يمس، ولا يرى إلا عبر وسيط، الجدار، جدار القصر، جدار الحرس، جدار المنصة حتى وهو يفتح جاكت البدلة قائلاً "أنا مش لابس واقي" يظل هناك جدار من سلطة الحكم بينه وبين من يروه.
الجدران أكثر عمقًا وأصالة من جدران القصر، تنتج عبر كل ثنائية، الجيش أو الشعب، العامل أو الناشط، المسلم أو المسيحي، الرجل أو المرأة، لا يمكن تصور الجدار دون تصور ثنائية ما ما بين داخل الجدار وخارجه، ما بين أمامه وخلفه.
من الجدار الحجري إلى السور النباتي:
سكننا سويًا، وهدمنا ما بيننا من جدران، لنحل محلها أسوار من نباتات وورود وأزهار، ونهدي بعضنا من ورود السور النباتي، الحاجز سيصبح جزءًا من صداقتنا المتخيلة القائمة على المساواة.
تلك صورة متخيلة، رومانسية لمدينة من مدن القصص المصورة، إنها مدينة البط، التي انعكس فيها حلم البشر في بناء يوتوبيا ما، مدينة البط شفافة بلا جدران، إلا جدار المال، خزانة عم دهب، هي الجدار الأكثر عزلاً فيها القائم أمام الجميع، لا عصابة القناع فقط، بل أمام ابن أخيه بطوط أيضًا.
لنتصور الثورة كمدينة متخيلة، في لحظة ذورة الاشتباك، الشبيهة بذورة الحب، في يوم الثامن والعشرين من يناير، لنتخيل كيف سقطت الجدارن مرة واحدة، سقطت دون أن تُسقط كاملة، لأن الثورة لم تقرأ خرائها جيدًا، ولم تع كيف تهدم الجدران العازلة بين خلايا جسدها.
الجدران معادلة غير مرئية ما بين ضعف السلطة/النظام/ السستم وقوته، تزيد وتنقص لكنها دون استمرارية هدمها، ستظل قائمة ومتجددة.