‏إظهار الرسائل ذات التسميات نثريات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نثريات. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 15 نوفمبر 2018

غزل البنات

غزل البنات

كنا نسير على ضباب.
وليل الخريف يساقط قطعًا، يلتف حولنا كأفعى تدفئ بيضها لتحميه من اﻷعداء.
لم يكن السندباد محطة وصول، كان يجلس على الدكة المجاورة ينتظر سفينته المبحرة لجزر ينبت شجرها نساء شهيات بأثداء ونهود وحلمات.
ومذياع الباص يتلمس موجة تتلو أوائل سورة الكهف.

لم أكن لك خضرًا ﻷخرق سفينتك وأغرق في يم نبيذك العذري.
كنتِ لي موسى تشقين بأطراف أناملك بحر قلبي البكر، والبكر يناديه البحر الذائب فيه رحيق حورٍ لم يطعمهن من قبل.
كنتِ تفيضين رحيق أنثى الإناث، يجعل الضباب في فمي سكرًا مذابًا أشهى من لحمك الذي لم أذقه خوفًا رغم طمع، وأشهى من كل النساء اللاتي التفت بهن بعدها ساقي، كأفعى تدخل رأسها في جحر رطب لتطفئ بيضها وتحميه من الاشتهاء.

كان البكر يناجي البحر لتصعد العذراء على جبله وتعلمه صلاة الابن

"آبانا الذي في السماوات
في ليالي خريفنا، اعطنا كفافنا
عذراوات سمراوات وغير سمراوات
نطعم نهودهن ونغترف من فروجهن غرفة بيدٍ
يفضن رحيقًا يجعل ضباب الفجر بلون الورد
وأشهى من غزل البنات"

الأحد، 23 أكتوبر 2016

عن كرة القدم والتقاسيم

عن كرة القدم والتقاسيم



باحب كرة القدم لأني باحب الموسيقا القائمة على الارتجال، كرة القدم بالنسبة لي هي التقاسيم في الموسيقا المقامية، حتى كلمة تقسيمة مشتركة بين كرة القدم والطرب.


اللي بيقسم عليك في اللعب -اللعب كمان كلمة مشتركة- بيبقى عاوز يجيب فيك إجوان، مرة عمار الشريعي وصف فريد الأطرش بإنه لازم يجيب إجوان في كل جملة بيقسمها، كرة القدم نص مفتوح زي التقساسيم الحرة، لها إيقاع ساعات بيهدا وساعات بيهبط وساعات بيهجم عليك الخصم زي هجوم الصمت على ريشة عازف العود لغاية ما ترتبك وتقول للفريق "اصحوا ليغفلونا" بصوت كابتن لطيف أو تقول للعازف "إيه يا عم حاسب هتقع".


كرة القدم فيها مكسب وخسارة والارتجال الموسيقي كمان ممكن يكسب جون في المستمع وممكن يخسر، التقاسيم بتبقى على مقام واحد في الغالب، كرة القدم كمان بتبقى على طريقة لعب واحدة، بس زي ما المقام بيتلون، وبتقعد في كل نقلة في الملعب وفي كل ضربة ريشة أو رعشة وتر وصمت تفكر هيروح فين، هيفتح الوينجين ولا يقفلهم، هيحول ال4-4-2 ل4-3-3 ولا يرجع يدافع هيحول الراست سوزناك ولا ماهور ولا يرجع للراست المرصع بتاع زمان اللي عامل زي تراقيص مارادونا سنة 86، كمتلقي بتقعد عشان تستنى المفاجأة دي إما تقول لها "الله الله يا لعيب" وإما تقول للي لعبها "اتفو ع اللي دربك"



ماتش الليلة دي بين الزمالك وصن داونز عامل زي تقسيمة عود، مطلوب منك أربع مراحل، استهلال تعرض فيه أول المقام ومظهره والتانية تعرض فرعه والتالتة تعرض تلاوينه والرابعة تقفل وآه من القفلة، القفلة الحلوة زي الجون الرابع بتاع الزمالك لو النتيجة 3-0 وييجي في الدقيقة 91، ساعتها تتكيف، المباراة زي التقاسيم لغز، هيجيب الأول إمتى والتاني إمتى طيب لو ما وزعش المجهود طب لو جابهم بدري -لا مؤاخذة في اللفظ يعني- وريح مش هيكيف الجماهير.


كرة القدم اللي بالطريقة دي هي اللي تكيف، هي اللي تبقى زي جملة موسيقية الست تعمل فيها وحايد ألف مرة، كرة القدم اللي ما تعرفش إيه اللي جاي فيها هي "يا قلبي آه" في هو صحيح الهوى غلاب.


في لعبة زي دي مش مهم الربح ولا الخسارة، لما تدوق حلاوة المفاجأة وجمل القفلة ومزيكتها، تهتف وتقول دي مش كورة دي مزيكا و
 #سنظل_أوفياء


التنسيق باستخدام الخط الأميري.

السبت، 24 سبتمبر 2016

عن ليلة مدرسية بعيدة

عن ليلة مدرسية بعيدة


في الصف الثاني من دراستي الإعدادية حضرت أول حصة درسها لنا، كان الأستاذ وحيد من أولئك المدرسين أصحاب الكاريزما الذين يجبرونك على معرفتهم قبل أن يدرسوا لك، كان صيته يسبقه أو بعبارة أخرى، أليّق بحال لغتنا وقتئذ في أيام العقد الأخير من القرن الماضي، ألاطته الأمريكاني، كان مجهول التاريخ الشخصي بالنسبة لنا، سمعنا، والعهدة على الرواة، أنه بدأ التدريس كمدرس للدراسات الاجتماعية ثم حول مساره لتدريس اللغة الإنجليزية، وإن كنت شخصيًا أعتقد إنها شائعة أطلقها مدرسون منافسون، فعلى العكس من زكريا الدرديري في مدرسة عاشور عاشور، كان الأستاذ وحيد متمكنًا من تدريسه تمكنًا جعله المسئول عن الفقرة الإنجليزية في الإذاعة المدرسية، وكان يغيب في بعض الأسابيع لإكمال دراسته التربوية حسب شائعات المنافسين ولإكمال دراساته العُليا حسب شائعات أُخَر.
قلت إنها كانت ليلة مدرسية، رغم إن دراستي كانت صباحية كأغلب مدارس الضاحية البرجوازية مصر الجديدة، أذكر تلك الليلة بشكل جيد، ربما كانت مساء الأحد، فتدقيق التاريخ بعد مرور أكثر من 20 عامًا أمر صعب على ذاكرة عنينة كقضيب شيخ في التسعين، لكني أذكر تمامًا أنها كانت ليلة عزاء ضخم في دار مناسبات مصر الجديدة القريب من بيتي، عزاء وزير التموين أبو الدهب الذي كان يسكن قبل بضعة مبانٍ من مدرستي، وكانت تلك الليلة الأولى التي أرى فيها ذلك الكم المفرط من الشرطة خارج أفلام السيدة نادية الجندي نجمة البهاليل التي أحبها خالي في شرائط الڤيديو وشاهدها المرحوم أخي في السينمات الصيفية، كل ذلك النحاس بتعبير سائقي تاكسي القاهرة من الصعب نسيانه إذا لمع أمام صبي لم يتم الثانية عشرة بعد.
في تلك الأيام كانت الشمس تغرب في موعدها الثابت مثل هذه الأيام، لكن الليل كان يأتي أسرع، فخروج صبي بعد السابعة وقت الدراسة كان من الأحداث الاستثنائية التي تجعله يشعر بوطأة الظلمة وإن لم تكن تلك الليالي مظلمة كما تتذكرها ذاكرتي الصبية، المهم ... خرجت يومها للبحث عن كشكول كبير، ما قبل زمن الوفرة الورقية والاستيرادية كان العثور على كشكول محترم مُكون من أكثر من مئتي ورقة مطلبًا يستدعي الذهاب إلى مكتبات بعينها، كانت مواصفات الكشكول، التي أملاها علينا الأستاذ وحيد بهالته التي عززها بارتداء نظارتين، واحدة طبية وأخرى شمسية، متعمدًا ارتداء الشمسية داخل الفصل لإخفاء عينيه، مواصفات شبه مقدسة، كشكول كبير 200 ورقة غير مكعب بسلك ومجلد بجلدة سوداء أو بنية يشبه كشاكيل تحضير الدروس، لحسن الحظ كانت هناك مكتبة جديدة بالقرب من المدرسة وبيتي، في مساحة كبيرة احتلها الآن توكيل شركة اتصالات.
لم أذكر السبب بعد، لكني أذكر مشهد طلب الكشكول في حصة الأستاذ وحيد، كانت الحصة بعد الفُسحة مباشرة أو ربما كانت الحصة قبل الأخيرة فالشمس كانت آتية من خلفه منعكسة على ناظري الضعيفين في آخر شهر لي قبل ارتداء النظارة الطبية، أذكر ذلك الفصل جيدًا، 2-2 في الدور الأرضي، أعرف ذلك على وجه اليقين لأني عاودت زيارة المدرسة بعد الثورة حين تحولت للجنة انتخابية وأصر والدي على الإدلاء بصوته في استفتاء الشيخ يعقوب وكندا، يومها دخلت نفس الفصل بصحبة والدي ووجدت اسم عمي المرحوم في كشوف الناخبين #ماعلينا.
طلب منا الأستاذ وحيد الكشكول لمهمة مختلفة عن حل الواجب، مهمة تعمد أن يسميها بتسمية كانت غريبة على أسماعنا، نحن طلاب المدارس الحكومية الذين لم ندرس الإنجليزية في المرحلة الابتدائية من الأصل، "هتجيبوا كشكول كبير 200 ورقة مش سلك ومجلد بجلدة سودا أو بني وهتعملوه كشكول Vocabulary " ويومها استفسرنا جميعًا عن معنى الكلمة، فأصر هو على عدم الإدلاء بسر المعبد مكتفيًا بالصياح بلكنة أمريكية "Oh my God"، ربما كانت لكنة زائفة وخاطئة لكنها صادفت هوى في أنفسنا، نحن طلاب المدارس الحكومية الذي اعتدنا على دراسة المنهج الموضوع حسب لهجة بريطانية بلكنة مصرية وربما صعيدية تملى علينا بطريقة قصيدة عُمر نجم "يا ولاد سعيد يعني هاپي"، وكان الأستاذ وحيد هو الوحيد الذي يستبدل اللكنة المصرية بالأمريكية وإن لم يستبدل المنهج، هكذا علمنا الإنجليزية البريطانية حسب المنهج الموضوع بلكنة أمريكية ربما كانت خاطئة لكنها لاقت هوى في أنفسنا وهيبة وزادت من كاريزمته زيادة لا توصف وأكدت ألاطته الأمريكاني.
في الشهر التالي لتلك الليلة عرفني فجأة، في الامتحان الشهري الأول حصلت على أكبر مجموع درجات في مادته، وهو معدل حافظت عليه طوال السنة والسنة التالية، كنت دائمًا الأول أو الثاني في مادته، لكني لم أكن طالبه المفضل، حاز هذا التفضيل صديقي مصطفى في السنة التالية، كان مصطفى تلميذًا من تلاميذ المدارس التجريبية انتقل لسبب ما لمدرسة حكومية، فكانت حصيلته اللغوية أفضل ونطقه أقرب لأمريكية الأستاذ وحيد المفتعلة، أما لكنتي فكانت لكنة مصرية استدعت تعجبه، حين سألني بعد حصولي على أعلى درجة في امتحانه الشهري، الذي عبر عنه بعبارته الأثيرة "Oh my God".
في السنة التالية ضمني لفترة وجيزة لفريق الإذاعة قبل أن تستحوذ عليّ فقرة قراءة القرآن بالتبادل مع الأخ محمود، وعلمني فيها قراءة الإيجبشن جازيت التي لم أكن أعرف عنها سوى إفيه سمير غانم في 4-2-4، وكنت قد تعلمت قبلها أهمية كشكول Vocabulary الذي صاحبني حتى نهاية دراستي الثانوية، وبسبب ذاك الكشكول أدمنت شراء القواميس للكشف عما اُغمض عليّ فهمه من مفردات، بسبب Price list  التي لم أجدها في كتاب الأضواء اشتريت قاموس إلياس للجيب، وبسبب كلمة أخرى في الجازيت اشتريت أخاه الأوسط  إلياس المدرسي عربي - إنجليزي إنجليزي - عربي، وبسبب كلمة في الويكلي في الصف الأول الثانوي اشتريت أخاهم الأكبر إلياس العصري الذي أحتفظ به للآن، أما المورد فقد اشتريته بسبب كلمة قرأتها في مجلة العربي Hypothalamus  ولا أذكر سبب ورودها في المجلة من الأصل، فذاكرتي واهنة كشهوة عجوز في ثمانينها.
في الصف الثالث الإعدادي كنت قد صرتُ متدينًا، والتحى الأستاذ وحيد لفترة وجيزة بررها بألاطته الأمريكانية المعهودة إنها لالتهابات في بشرته الحساسة، لكن ذلك السبب لم يعجبني وقتئذ حين كنت أصادفه في مسجد غار حراء في ميدان المحكمة كل يومٍ بعد الدراسة، لكنه علمني في تلك السنة أن أُترجم ما أقرأه في الجازيت كل أسبوع، ودلني على كتب notes on grammar ونصحني قبل انتهاء الدراسة الإعدادية بدراسة اللغة الألمانية في المدرسة الثانوية، فهي أقرب للإنجليزية وتُقرأ كما تكتب حسب قوله الذي لم ينافِ الحقيقة، ولم يكن مثل لكنته الأمريكية المفتعلة.
لا أذكر مدرسي الإنجليزية في السنتين الأولاتيين من الدراسة الثانوية إلا طشاشًا، أولهما أسميناه يونس شلبي لشبهه الشديد بالممثل الكوميدي الراحل، كان مبقلظ الخدود رجعي التفكير قحف المظهر، أخبرنا ذات يومٍ أنه تزوج زوجته بالثانوية العامة لكي لا تطلب العمل بعد الزواج، وكسر لي ساعتي التي أرتديها في يمناي حين كنت أتفادى ضربة من ضربات عصاه، أما الثاني فهو أحمد ما، كان يدرس لنا بطريقة غريبة وكان يتعمد الإنحناء بشدة قبل الكتابة على السبورة مصدرًا لنا مؤخرته دون سبب، وحتى الآن لا أدرك سر فلقسته التعليمية.
المدرس الثالث في الثانوية كان مؤثرًا حقًا لكني لا أذكر  اسمه، ذاكرتي عنينة كقضيب أحد خصيان ألف ليلة وليلة، لكن تأثير ذلك المدرس لم يكن لغويًا، كان يحاول وبجد أن يكون لنا صديقًا، ولا زلتُ أذكر دموعه المترقرقة ذات يومٍ، وكان يعدني طالبًا صديقًا له فكنا نتبادل الكتب وأشرطة الكاسيت، حين قلت له "ما إنتم مش عارفين تحتوونا"، كنت مراهقًا يرغب في كسر صورة الأب أينما حلت حتى لو كانت بهذا الحنان، ربما أسقطت ذاكرتي العنينة اسمه بسبب ذلك الموقف حتى لا أبحث عنه وأعتذر له، لكنه لم يكن معلمي اللغوي على أي حال، كان كشكولVocabulary  هو معلمي الأول، في تلك الأيام في السنوات الأخيرة من القرن الماضي، لم تكن قناة Nile TV قد صارت مُسخة يتمشى في أرواقها القطط الصفراء، وكنت أجلس أمام الأفلام العربية لأسجل مفردات الترجمة الإنجليزية في الكشكول، في السنة الأخيرة وقبل أسابيع من عبارة "مش عارفين تحتوونا" حصلت على أول مبلغ بسيط في حياتي نظير ترجمة ما، طلبها أحد الجيران لملزمة من ملازم دراسته لدبلوما نفسية، وقتها كان عليّ البحث عن الأستاذ وحيد وإنقاده نصف المبلغ على أقل تقدير.
سلام عليك يا أستاذ وحيد أينما وجدتُ الآن، رغم لكنتك المفتعلة التي لا أهتم الآن بكونها حقيقية أم لا ورغم ألاطتك الأمريكاني ورغم إصرارك على ارتداء نظارة شمسية داخل الفصل دون داعٍ ورغم سخريتك المستمرة منا بعبارتك الأمريكية الأثيرة "Oh my God"، سلام عليك وعلى تلك الليلة التي خرجت فيها بالشبشب وبنطلون الترنج رغم كل أفراد الشرطة المنتشرين في محيط العزاء لأحضر الكشكول أبو 200 ورقة ومش سلك وبجلدة سمرا أو بني، سلام على كشكول المفردات، سلام على صفحات الجازيت، وسلام عليك مرة أخرى أينما كنتَ الآن، وسلام على دينٍ لك لا زلتُ أحمله في عنقي.

 التنسيق باستخدام الخط الأميري

السبت، 13 أغسطس 2016

إفحام الجاموس في أصل كلمة خلبوص

إفحام الجاموس في أصل كلمة خلبوص

- " (والخَلَبُوصُ، مُحَرًّكة: طائرٌ أصغرُ من العصفورِ بلَونه)، سُمي به لكثرة هروبه، وعدم استقراره في موضعٍ، ومنه سمي الرجل الطّرار خَلَبُوصًا" تاج العروس من جواهر القاموس للمرتضى الزبيدي.
"خلبوص، خلبوس: خَلْبَصَ: فرّ وهرب. والخَلَبُوص صعلوك أو شخص لا خلاق له، ومن لوازمه، كما يذكر مؤلف (هز الفحوف) الطراشة، وهي عصا يحملها ويلعب بها، وقال أن غالب الخلابيص يلبسون في رؤوسهم القحوف وليس له زي ولا هندام تستعمله الفقراء. وذكر طاهر أبو فاشا أن الخلابيص جمع خلبوص وكانوا يطلقونه على راقص الزفة الذي ينادى في الأفراح ويجمع ما يجود به المدعوون"
أ.د/ عماد عبد السلام رؤوف

والجاموس، ممن لم يتجسسوا قبلًا على معجم أو يكلفون خاطرهم بفتح قاموس، ويخلطون ما بين بنها وسوهاج وقنا وباسوس، ويأثلون اللغة المصرية الحديثة لأصول قبطية مرة وفرنجية مرة ومهلبية مرات ومرات للغة المجوس، يخلطون خلطًا شنيًعا ما بين راقص الزفة أو لمّام النقوط وهو الخلبوص وأقرب دور له هو النبطشي في الأفراح الحديثة في ليالي الجمع والخموس، وصبي الراقصة أو اللبيس، ويزيدون الطين بلة والقصب الفاسد سوس فلا يفرقون بين لبيس الراقصة المعاون لها في قلوع ولبوس وبين أدوار قدمتها السينما فخلطت بين الحقيقة والهساوس والخيالات والمسوس فجعلوا لبيس الراقصة خولًا دون دراية أو علم أو استشارة قاموس.
وقانا الله وإياكم شر الجاموس الناشرين خراءهم في حر آب اللهاب... مش كفاية علينا الناموس؟!



الجمعة، 22 يوليو 2016

تحرش في مسجد الحسين في قاهرة القرن 19

"ويقول أهل القاهرة عادة أنه ما من رجل يذهب إلى مسجد الحسين يوم عاشوراء إلا لأجل النساء فيُدفع في حشدهن، وينعم بذلك إلى أقصى رغباته، وقد عرفت ذلك التجربة عندما تقدمت لمشاهدة الحفلات الدينية التي تكون، علاوة على قداسة اليوم عاملًا في جذب مثل هؤلاء الأسراب من الناس.
كان هناك ما يقرب من خمسين درويشًا من فرق مختلفة يجلسون على صفين متقابلين جانب الحائط الخلفي على يمين المنبر، ولم يكون أحد يقوم بالذكر غير درويش مسن يقف بين الصفين، فتقدمت إلى الأمام لمشاهدتهم فوجدت نفسي في موقف يبدو غريبًا في بلد يعتبر لمس امرأة غير زوجه أو جاريته أو قريبته غير لائق، وكنت محصورًا بين نساء أربع حتى أنني ظللت بضع دقائق عاجزًا عن الحركة في أي اتجاه، وكان الحشد يدفعني بشدة نحو امرأة شابة، فكادت وجناتنا تتماس لولا النقاب، وكان يبدو من لهثها أن موقفها لم يكن سهلًا، وإن بدت عيناها النجلاوان تبتسمان معبرتين عن تسليتها، ولكنها لم تتحمل ذلك طويلًا فما لبثت أن صاحت "يا عيني! ما تكبسش عليا جامد كدا" بينما صاحت امرأة أخرى تقول لي "يا أفندي وحياة راسك امشي لقدام وافتح لي سكة وراك"، وبعد لأي توصلت إلى المكان المقصود، غير أني كدت أفقد سيفي وكمي سترتي المتدليين، فقد علق مقبض سيفي بملابس البعض، فشُد النصل من غمده تقريبًا قبل أن أستطيع أن أمسك به، وكنت أتصبب عرقًا مثل جميع من كانوا حولي"
إدوارد وليم لين - المصريون المحدثون شمائلهم وعاداتهم، القاهرة 1835 ميلادية

ترجمة: عدلي طاهر نور

الخميس، 11 فبراير 2016

العناصر الخمسة

العناصر الخمسة



اليگاه ... صوت أبيك في شيخوخته.
العشيران ... صوت أمك العجوز قبل موتها.
الدوگاه ... صوتك، في منتصف الطريق نحو موتك.
النوا ... صوت حبيبتك في منتصف عقدها الثالث.
الگردان ... صوت همسكما سويًا.
(ينتج  الرقص عليه فوق صدر عودك،
 بنقرات خفيفة، لا متعجلة ولا متهاودة،

 أصواتًا حادة، تشبه ألحان لحظاتكما السرية)

--------------
التنسيق باستخدام الخط الأميري الصادر حسب رخصة المشاع الإبداعي.
الصورة لشمسية عود صناعة الحاج أحمد محمد.

الثلاثاء، 9 فبراير 2016

تشكيل


تشكيل
  
1
- وعندما تنتهي حكاياتك الداخلية وتصاب بداء النسيان، ماذا ستفعل ؟!
- س
أخرج إلى الطريق، وأسرق من المارين حكاياتهم، وأقرأ في عيونهم شكاواهم التي لم يبوحوا بها لأحد .
- وعندما تنتهي؟
- وهل تنتهي الحياة ؟
- وإذا نفد حبي بداخلك، ماذا ستفعل ؟
- سأقف عند نافذتي وأشاهد الطير المسافر، وألتقط من غناءه حروف أسمِك، وأعيد تشكيلها ليبقى وجودى داخل حبِك .
- لتبق داخل سجني ؟!
- لأبقَ ... داخل الحلم بأني أحب، ما من أحد في غنىً عن حلم يحلمه طالما ظل عارفًا لحدود الحلم .
- ولو جاءتك أخرى ؟
- ستجيء حتمًا وتسكنني، لها من جسدي ما لها، ومن عقلي ستحتل ما تخليه أنت ِ من حلمي، لكنكِ ستبقي .. فما من أحد في غنىً عن حلم جميل، ما من أحد في غنىً عن وهم أنه ليس هو .
1-2
لأني نباتي أمتنعت عن أكل ثدييك
المستديرين كحمامتين
فلما ألتقى فمانا، تذكرت أني لم أقلع بعد عن أكل الاسماك
فالتهمت شفتيك .
2
في الشارع الصُبحي الغارق في الأزرق الرمادي، وقف، عليه ضوء الفجر، وألقى من علبة بلاستيكية ماء الغسيل، فتساقط أبيض رقراق مرغيًا فقاعات صابونية ورغوة بيضاء انزلقت على سيارة السيد الجديدة لتغسلها، من داخلي انسكب ماء التشكيل، فالتقيا على الارض، كل في طريق والفعل واحد .
ولاشيء خارجنا لم يقتحمنا مغيرًا لهيئته، نسمي أشياءنا فتتسلل داخلنا، ونضعها في رسم الحروف المزينة بتشكيلاتها وسكناتها المشددة، يسيل ماء لعابنا فيغير الحرف المشكل فيختلف وجودها العقلى عما بداخل سجن الترميزات الساكنة لخطوط يدوية فتنطلق فى البراح .
هكذا الماء يمحو الفوارق بين نفير عربة السيد وصوت إغلاقك سماعة الهاتف في وجهي، ويمحو الفارق بين خاء الخوف وحاء الحب، ويضع على دال الدلال نقطة ذال الذنب.
لذا اجتنبى كثيرًا من الماء في مدينتك الجديدة، واغرقى فى كثيرٍ من ماء بلدتك القديمة، فماء الجبال أكثر قدرة على التشكيل المتلاعب بالمعنى من ماء الصحاري .
2-1
 
- هل أنتهيت ؟
- وهل سمحتِ لي بالبدء .
9 فبراير 2008


الأحد، 24 يناير 2016

بلا دية ... بلا ثمن

بلا دية ... بلا ثمن

"الشعب يريد إسقاط النظام"
لكن النظام لا يسقط
إنه يستمر ويستمر ويستمر
يجدد دماءَه بدماء ضحاياه، ودماء لم يقتلها.
يغير النظام وجوهه التي رحلت أو ماتت أو توارت في الظل، ويُسكن البعض الآخر مساكن المعارضة القديمة، ليلعب لعبة وجه العملة وقفاها.
النظام يعيد تقسيم دوائر المجتمع، يعيد بناء الحواجز، ويسمح بمساحات بينية ضئيلة، تشبه الشقوق بين أحجار الأسوار، ليتحرك عبرها الباقون على قيد الحياة خارج الزنازين.
منذ نصف قرنٍ وبضع سنوات، غضب النظام على اليسار، فدجن البعض وأسكن الكثير فسيح زنازينه، كان الرفاق يجلدون والرفاق الآخرون يكتبون شعرًا وفنًا ومسرحًا وأدبًا بالجملة، بعد أعوام سيتغنى كل اليسار بقدرته على العطاء (الثوري) حتى في لحظات المحن.
النظام يسجن ويُسكن، يسجن البعض في زنازين الذين ظُلِموا ويُسكن أصدقاءهم مساكن الذين ظَلَموا، ليبكِ أصدقاء الأولين عليهم ويختصرون (الثورة) في الدفاع عن أصحابهم.
النظام يحول الثورة إلى أدب غير ضار، ويفتح الأبواب ليشكل فقاعات الثقافة المُجملة للقمع، في المقابل يموت آخرون بلا دية أو ثمن، يموتون دون أن يبكيهم أحد.
بعد خمس سنوات يصير معارفنا السابقون وجوه داخل النظام، تتغير الكروش الوارمة الجالسة على مقاعد المؤسسات ليصير فوقها أصدقاء الأمس، بعد 10 سنوات سيتغنى الجميع بالمنجز الثقافي، المنجز الذي يعني نجاح النظام في تحويل الضغط المتراكم إلى فن وديع كقطٍ مخصي في ليالي الشتاء.
النظام يحول الثورة إلى علبة مناديل، إلى مفرش بألوان العلم، إلى بطانية وطنية، إلى كارت الشهداء بجنيه، إلى رواية بست سِلّر، إلى مشروع خيري، النظام يحول الثورة إلى مجرد تسمية رومانطيقية وذكرى يتطوح فيها الدروايش على مواقع الشبكات الاجتماعية، النظام لا يخشى تلك الأشياء كلها.

خارج حدود النظام يوجد آخرون بلا وجوه، لا دية لهم ولا ثمن ولا ذكر، رأيناهم لحظات عابرة ثم اختفوا، يحيون خارج قواعد النظام، ربما يقلبون النظام على رؤوس الجميع في يومٍ قريب.

الأربعاء، 30 ديسمبر 2015

مترو العباسية



مترو العباسية

يجلس على المقعد الثاني داخل العربة الثانية من المترو، يمر بالعباسية فيدندن طقطوقة الكوكايين، ويكتب هايكو تقليديًا عن الشتاء، يحترم ألفاظ فصول السنة مثل كاهن ياپاني هَرِم يمسك لأول مرة بطنبور فارسي ويتحسس رقبته كمن يداعب دساتين قيثارٍ إسپاني.
قال له معلم الزِن ذات صباح
"كل فعلٍ –طال أم قصر- رحلة كاملة
غسل أكواب الشاي بعد شربها
لملمة أوراق الشجر المتساقطة في الخريف
عفق الأوتار لتقدير النسب الدقيقة بين أرباع النغمات وأنصافها
كل تفصيلة هي خطوة نحو دهشة الهايكو اللحظية ولقاء البوذا بداخلك"
ذلك البوذا العجوز لا يخلو من لُطف، فهو لم ينسَ أبدًا شقاوة الأطفال ولذة الاختباء بين التفاصيل.
30 ديسمبر 2015

الخميس، 30 يوليو 2015

عن أخي الميت العريس

عن أخي الميت العريس

وقالت لي جارتنا العجوز " قول للعطار وإنت بتجيب حاجات الغُسل إنه الميت عريس ولسه ما اتجوزش"

كانت تلك المرة الأولى ولم تكن، حين توفت خالتي، كنت طفلًا، وكانت بكرًا لم تناهز الثلاثين سمعتهم يتهامسون بكلامٍ لا يجوز للأطفال مثلي آنذاك سماعه إنها صارت حورية من الحور العين "دا اللي ماتت بكر هتبقى عروسة من عرسان الجنة".

سمعت تسمية الميت العريس لأول مرة ولم تمض ساعة على وفاة أخي حسام الدين، فعلت مثلما قالت جارتنا العجوز وقلت للعطار "دا الميت عريس" فأعطاني ماء ورد خاص بالموتى العرسان الذين لم يتزوجوا في الدنيا "لم يدخلوا دنيا" بحسب التعبير الشائع، فمن دخل دنيا لم يدخل بعروس جديدة في الآخرة، أما من لم يدخل دنيا سيتزوج عروسًا جديدة في الآخرة ويكون عريسًا.

في المساء التالي، قالت لي جارة عجوز أخرى "ما تسقوش عليه قهوة دا أخوك مات عريس" ونهت أختي الكبرى عن لبس السواد لأن الميت عريس يُزف إلى حور عين.

لا أدري سبب التسمية ولست في حالٍ يسمح بالبحث، لكني في حالِ تذكرة نفسي بأخي العريس، رُبما يعرف أحدهم سبب التسمية ومنشأها ويديم ذكر أخي ولو لساعات تالية.

الخميس، 2 أبريل 2015

#خاطرة عن الشيخ رفعت وآية الشأن

خاطرة عن الشيخ رفعت وآية الشأن

هادئًا يبدأ القراءة، هادئًا يهدهدك، بأداء تقليدي لا ينتقل من مقامٍ إلى مقامِ ولو نادرًا، حتى يبلغ بك الموقف، موقف التصوير والتعبير،  ﴿يَسۧئَلُهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرۧض ِۚكُلَّ يَوۧمٍ هُوَ فِي شَأۧنٍ ۞ فَبَأَيِّ ءَالَاۤءِ رَبّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۞﴾، في كلماتٍ عشرِ  يحملك على جناح ملائكة الصعود رويدًا رويدًا، يمشي صوته بك  الهوينى صاعدًا من سطح يم الغرق في جهل جهالة الجاهلين الغافلين، يُصَاعِد بك من سفح الجبل إلى هضبته إلى تله، يُوحي لك بأَنّكَ عمّا قريب بالغُ سدرةَ منتهى، عمّا قريب شاهدُ تجلي جواب غرائبي عجيب، جواب صوت وجواب سؤال، لكنه يرجع الصوت تارة أخرى فيوقظك من غي وهمك، يقطع ترحالك عند قطع همزة "شأن"، كلا لا مفر من قطع غي أوهامك، كلا لا مفر من أن يوحي لك إن الهمزة تقف على قمة جبلٍ كجبلِ التجلي، همزة ألف الجلالة التي خشى ربها على الخلق منها فحجبها في باء البسملة كما أبلغنا طرفًا من ذا الوحي الشيخ الأكبر في فتوحاته المكية، يقطع الشيخ رفعت بصوته توهماتك ويحبس الجواب، جواب الصوت وجواب السؤال، يُقيك حلاوة التجلي، تجلي رب موسى على قمة جبل قلبك، ويعود ليطلق الجواب قارئًا آية الآلاء، لابد هنا من إجابة السؤال والإشارة، ولو من طرف خفي، للنعم التي كنت على وشك بلوغها، لكن همزة الشأن منعتك.
ثم يرجع الصوت قراءة أخرى، وهي أول إعادة في تلك التلاوة، ليقرأ الكلمات العشر صاعدًا صاعدًا ويقلب قراءة "شان"  فيتلوها بلا همز، هنا يطلق الشيخ الجواب، هنا ينزع همز الألف فيمده ويحلق في براح قمة الجبل، لا بد هنا من إطلاق الجواب، جواب الصوت والسؤال، كلا لا مفر هنا من استغراقك في تجلي صوته، كلا لا مفر من أن يبقيك تجلي حلاوة الرب على قمة جبلك المهتزة جزاءً وفاقًا لهزة جواب صوته، هنا قمة الجواب، يحلق الصوت في البراح ثم يعاود تغريد آية الآلاء، هنا أثرها مختلف، يغردها الشيخ هابطًا من جوابٍ عالٍ،  يُلمِح بها الشيخ  من طرف خفي للآلاء التي شهدتها، يلمح بها للتجلي، تجلي الصوت وتجلي حلاوة الرب.

لو استغرقت في هذا الجواب، لو استغرقت في النظر لقمة الجبل، جبل الشأن، وحلاوة الرب تتجلى عليه، لرُبَما دُك قلبًا دكًا وخر جسدك صعقًا لا تملك سوى الصراخ "الله الله الله".

الجمعة، 13 مارس 2015

موضوعات حول CV

موضوعات حول CV
إلى پول لافارگ ومصطفى الناغي

من أجل عالم آخر مُمكن يجب على البشر أن تعي بديهية بسيطة The human is much bigger than his CV.
بشكل ما تعمل الرأسمالية الكوكبية ونظامها السائد على تقليصنا وتلخيصنا في مجموعة نقاط مُرتبة ومُعدة للقراءة والفحص من قبل رب عمل أو لجنة اختيار لطلبات راغبي الالتحاق بالمؤسسة، تلك النقاط المُرتبة لا تعدو أكثر من تلخيص مُخل لأيام حياتنا، نعرضه على مجهولين ذوي سلُطة اختيار ويمتلكون سُلطان إلحاقنا بالمؤسسة، قلت مؤسسة على إطلاقها دون تعيين ما إذا كانت مؤسسة عمل أم لا، في الحقيقة أعني مؤسسة الحياة ذاتها، لا مؤسسات الشُغل وحدها.
تستعير الحياة المُعاصرة في نمطها الراهن آليات عمل المؤسسة وإدارتها وحتى أشكال استبعادها، بشكل ما يتحول اليومي واللحظي والمُعاش إلى لائحة أجور.
لائحة الأجور تلك تكافئ الإنسان وتثمن -نقديًا- لحظاته المُعاشة، إنها تحول همساته وأفكاره ولفتاته العابرة إلى نقاط حافز في كشف الرواتب، وتعبر عن ذلك بشكل مستمر في نقرات زر الإعجاب سواء في وجوده الوهمي على الشبكة العنكبوتية، أو وجوده الآخر خارجها الذي لا يقل وهمية عن وجوده داخلها، بالأحرى يتحول الإنسان إلى عامل بأجر لدى نفسه والمحيطين، عامل يبيع قوة حياته لا عمله وحده ليحصل على نقاط تلخص أيامه وتدفع المقابل بنقرات إعجاب.
يُمارس الفرد المعاصر محاسبة نفسه إنتاجيًا، وهي عملية محاسبية لا تختلف كثيرًا عن جلسات الجمعيات العمومية لإدارة المؤسسات، وهي دورية بالقدر نفسه، تتحول أعياد الميلاد الشخصية ورأس السنة الجديدة من ذكريات جيدة إلى عبء نفسي وحرج في الصدور، عبء تقديم تقرير الإنتاج السنوي لشبح سلطان المؤسسة الحاكم.
يقلص المرء ذاته لمجموعة نقاط سريعة توضع على عجل في CV وهو مُطالب ألّا يكون هذا الطلب شخصيًا أو مؤنسنًا ويستحسن الكثيرون أن يخلُ طلب الالتحاق من صورة شخصية، لنرجع بالذاكرة كرة أخرى إلى حكاية آمور وپسيخة في مسخ الكائنات، لو أدرك المرء المُعاصر وجه ذاته لاختفى من دهاليز المؤسسة، يُوصم ذو الاختفاء بالفشل أو بتعابير مُرادفة، لا يحصل على نقرات إعجاب في دروب وجوديه الوهميين.
يقع الفشل المؤسسي، وأعني مؤسسة الحياة، بصور شتى لعل أكثرها شيوعًا ما يسمى -بين أقواس عريضة- بالاكتئاب، بشكل ما ليس الاكتئاب سوى رؤية وجه النفس في مرآة بلا رتوش، رؤية النفس المُحرم على أصحابها ادراكها.
الاكتئاب، الذي لا يُثمن كثيرًا بالطبع داخل أروقة المؤسسة وجدرانها المُعاشة، يدعو الملتحقين بها لممارسة إحساس الشفقة تجاه العامل الأجير -وكلنا أجراء- المُصاب به، ذاك الاكتئاب ما هو إلا اكتشاف الإنسان المعاصر لحقيقة وجوده المعاصر الوهمي بكل دروبه، الاكتشاف الذي يُقمع عن طريق دعوات الهروب منه إلى داخل جدران المؤسسة وبراحها الزائف، الاكتشاف الذي يُحارب بانغماس أكبر داخل مؤسسة الحياة، انغماس يكافؤ بنظرات استحسان وبنقاط تُضاف للائحة الأجور والحوافر الانتاجية الحياتية، يُكافؤ بنقرات زر الإعجاب الحياتي، مقابل نظرات الشفقة والأسئلة السخيفة "مالك؟! مش عاجبني" التي تُعاقب عدم الانغماس في وهمية براح المؤسسة.
لا تعي لوائح أجور المؤسسة ونقرات أزرار إعجابها بالتراكم الأكثر أصالة، بالأحرى لا يعنيها التراكم الداخلي الذي لا ينتج نقاطًا سريعة تصلح لاختزالها في CV جديد، هذا التراكم الأصيل يستبدل ويُبين براح أرحب من رحابة وهمية فضاءات المؤسسة، لذا على المؤسسة الحياتية واللاحقين بها وراغبي الالتحاق تجاهله وإخفاؤه بغض البصر عنه.
ليستعد الإنسان المُعاصر وجوده عليه الاستعداد لتقبل بديهية بسيطة أخرى، حقه في كسله الخاص وعطالته لممارسة تراكمه الداخلي، حقه في براح الذات لا براح الصفات المكتسبة من وهمية أجور وإعجاب المؤسسة الحياتية.
(الحق في الكسل) كبيرة الكبائر عند مؤسسة الحياة، ملعونٌ من قِبَل قطبيها الرأسمالي والشيوعي على حد سواء، لنذكر پول لافارگ وكتابه المؤسس لأدبيات هذا الحق، الذي ما أن قرأ مسوداته الأولى صهره كارل ماركس حتى صرخ "لو كانت تلك هي الماركسية فأنا لست ماركسيًا".
من أجل استعادة الحق في الكسل وممارسة التراكم الذاتي، على المرء إدراك حقه الشخصي في أن يكون غير ذي نفعٍ داخل المؤسسة.
اللانفعية، المُصنفة كجريمة في بنية العقل المؤسسي المؤسس داخل المؤسسة والراضع الحياة من بزها، هو على النقيض تمامًا من جملة تفسيره المؤسساتية "أن تصبح عالة على غيرك"، اللانفعية هي فقط إعلان الإنسان أحقيته في الفشل، أحقية الإنسان في الحصول على ختم (مرفوض) من قِبَل لجنة اختيار الملتحقين بالمؤسسة الحياتية، أحقية الإنسان في CV فارغ سوى من وجهه، أحقية الإنسان في تمزيق طلبات الالتحاق وحرقها، أحقية الإنسان في الفشل والسقوط خارج جنة المؤسسة الحياتية، أحقية الإنسان في سُكنى عدنه الداخلي الخاص اللانافع لسواه.
"أنا حياة جاك البائـسة" يُردد المستلبون -وكلنا مستلبون- داخل المؤسسة الحياتية دون أن يدركوا أن البائس حقًا هو تقييم المؤسسة وسلطتها وسلطانها واللاحقين بها وراغبي الالتحاق، البائس حقًا هو تحول براحات الحياة لمجرد نقاط وسلع نحصل عليها بكروت ونقرات أزرار الإعجاب، تحول الحياة لمجرد نقاط تُكتب على عجل في طلب الالتحاق بوظيفة، من أجل أن يسلب الإنسان ذاته من أصلها، يتزوج أي عابر لإكمال طلب الالتحاق، يُحب- وعلينا الحذر بشأن تلك الكلمة- لإكمال طلب الالتحاق، يُقَبِل لعرض تلك القبلة كصورة في مواقع التواصل الاجتماعي للحصول على نقرات زر الإعجاب -وهي صورة النقد الإلكتروني الجديد- يعرض قبلته للحصول على حافز الإنتاج داخل مؤسسة الحياة، أنظر كيف تسارع إحداهن لكتابة تغريدة بإعلان القبلة التي حصلت عليها قبل حتى أن يلحس شريكها لعابها من على شفتيه.

على الإنسان أن يكون لا نافعًا، داخل مؤسسة الحياة التي تستلبه، ليكون.
على الإنسان أن يحرق طلبات الالتحاق كلها وإن كان لا بُد من كتابة طلب واحد فليكتب كلمة واحدة …. أنا.

الأربعاء، 11 مارس 2015

عن الكتابة الآلية

عن الكتابة الآلية

ليست الكتابة الآلية بشيء مفزع لكاتبها، هي نشوته وانتشاؤه وأورگازمه الخاص، لكنها مفزعة لقارئها باغتصابها لعقله الباحث عن دعة واستقبال مسترخٍ، الكتابة الآلية لا تُقرأ في حالات من حالات العقل، ولا تُقرأ سوى على عجل واستعجال، حالتها الأمثل ما بين أرق وصحو أو بعد المرة السابعة لجنس المرة الأولى مع امرأة قابلتها عرضًا ودون حتى أن تعرف اسمها الأول نكتها.
الكتابة الُمنمقة بنت الفاشية ووليدتها الفاشية، وليدة العقل المنمق، الكتابة الآلية السوريالية وليدة ثورة الوعي ضد العقلية، وليدة السباحة الراقصة على سطح محيط الجنون.
أيتها الفوضى المحببة كم أحبك أيها الجنون كم أنتِ ثورة وفعل عصيان مدني مسلح.
لا يرون سوى الزنا دون أن يعرفوا الحب كما قال بنجامين بيريه.
يرونه هوسًا ونراه جنونًا ثائرًا ولا يرون النشوة الكامنة خلف تلك السباحة.

*تم التنسيق باستخدام الخط الأميري.

الثلاثاء، 10 مارس 2015

كشري العدس الأصفر

كشري العدس الأصفر

لا يعرف أحدٌ على وجه الدقة عام مولده، فهو ابن العائلة الكشرية الأصغر ومحبوب الأسرة المُهمل المتروك، يبدو هذا جليًا حين نعرف أن مؤرخي الأطعمة الموقرين وجهابذة المطابخ لا يجمعون على اعتباره من أفراد العائلة، فالبعض لم يسمع به قبلًا والبعض الآخر يجزم إنه اختراع دخيل على تلك العائلة القديمة الراسخة، أما البعض الباقي فيقررون إنه كشريٌ أصيل أبًا عن جدٍ وكابرًا عن كابر.
يبدو هذا الأخ الأصغر ذو العدس الأصفر دخيلًا، ذاك ما يؤكده اختلاف الآراء حوله، لكن تؤكده عدة مظاهر أُخَر، فإذا كان من المُرجح تاريخيًا إن العائلة الكشرية بفرعها الكبيرين، كشري العدس الأسمر (صاحب الجبة) والمجدرة، قد نشأت إبّان غزو العثمانلية للشام ومصر، واضمحلال مجتمع المماليك، وانفصال الثقافتين، المصرية والشامية، نظرًا لانشقاقهما كإياليتين مختلفين في السلطنة، الانشقاق الذي تبعه انشقاق الكشري الأصل – لنسمه الحلقة الأولى احترامًا لنظرية التطور- إلى كشريين، أحدهما يُصنع من عدس وأرز والآخر يصنع من عدس وبُرغل اصطلح على تسميته بالمجدرة، والثابت تاريخيًا كذلك عند مؤرخي المطابخ إن الكشري أصيل وراسخ وهو ما يؤكده انتشاره، التجاري والمنزلي، في محيط القُطر كله، وتعززه ظاهرة انتشار سر صنعته، وتعززه ظاهرة أخرى يصطلح مؤرخو الأطعمة على تسميتها (ثبات الإضافات)، وثبات الإضافات هي إحدى الظواهر التي تؤكد قدم صنف ما من الطبخ وتقعيد طرق صناعته المختلفة، ويُرجح إنه في مرحلة ما من عُمر كُشري العدس الأسمر تم الاتفاق على مكوناته وطرائق صناعته وإضافاته، يذهب البعض أن ذلك حدث أثناء حكم محمد علي باشا ودولته الكبرى، وهو ما انعكس في توحيد الإضافات جميعًا من ثقافات شتى تجمعها الدولة الكبرى مثلما يجمعها الصحن الواحد، الورد (البصل المقلي) والدقة (الثوم المدقوق بالخل) المصريان والشطة السودانية والحمص الشامي، وهذا التوحيد من المؤكد رسوخه والاتفاق عليه فلا خلاف بين أي صانع كشري على مكوناته الإضافية، سواء كان صانعًا منزليًا أم سوقيًا.
لكن تلك الظواهر تنعدم عند الأخ الأصغر كشري العدس الأصفر، ويُرجح أحد المؤرخين الراسخين في الطبخ أن كشري العدس الأصفر ظهر إبّان الحكم الخديوي والتدخل الأجنبي في مصر، فهو ابن مدينة كوزمبوليتانية تحولت عن أكل العدس الأسمر إلى أكل عدس آخر قادم من ثقافة متوسطية هو العدس الأصفر ذهبي الوجنات والجِبّات -ويُرجح أن هذا العدس الذهبي كان محصورًا قبل ذلك في صناعة حسائه الشهير المنتشر في شرق المتوسط وجنوبه وشماله- ويُرجح ذلك المؤرخ أن اختلاط أبناء المدينة الكوزمباليتانية، وهي ناتج أصيل للمرحلة الخديوية، أدى إلى اختيار هذا العدس الذهبي لصناعة كُشري بديل مُخصص لهم وحدهم دون أبناء الفلاحين، ويعزز تلك الفرضية اقتصار كشري العدس الأصفر على المنازل دون الأسواق، وهو ما أدى إلى غياب عنصر ثبات الإضافات، حتى داخل المنزل الواحد، فمرة يُصنع وبجانبه سلاطة خضراء ومرة أخرى يصنع وبجانبه طماطم مُخللة في حين يكتفي البعض به وحده أو بطبق مخلل بلدي يصاحبه.
كل ذلك يؤكد حداثة هذا الأخ الأصغر مقابل رسوخ أخيه الأكبر، لكن بعض المؤرخين المتأثرين بالمادية التاريخية يؤكدون أن العدس الأصفر هو الأصل الذي تمت إزاحته حين انتشر العدس الأسود، ويستندون في ذلك إلى انتشار شُربته مقابل انحصار شُربة الآخر، ويرجعون ظهور الكشري الآخر لأحد مرات انحسار الفيضان ما أدى إلى ضرورة استبدال عدس الرخاء الذهبي بعدس الشقاء الأرضي.
لا أحد يعرف على وجه الدقة تاريخ ميلاد الإثنين، ولا أحد يستطيع الجزم بقرابتهما الأكيدة رغم اشتراكهما في وحدة التصنيف الكُشري العام واتفاقهما في ثيمة الطبخ.

*التنسيق باستخدام الخط الأميري الصادر حسب رخصة المشاع الإبداعي.

الأربعاء، 26 نوفمبر 2014

صباح والاحتفاء بالحياة بس أنهي حياة؟!

صباح والاحتفاء بالحياة بس أنهي حياة؟!

الجملة الأكثر ترديدًا النهاردة للتعليق على موت صباح الطبيعي والمنطقي في سنها هي "الاحتفاء بالحياة"، كانت الكلمتين دول هما الثيمة المركزية في مجموعة تعليقات على السوشيال ميديا، سواء على الفيسبوك أو على تويتر، وانتقلت نفس الكلمتين لمقالات مختلفة، تضع الديڤا المتوفية في موقع الشابة المحسودة من المجتمع –اللي هو طبعًا ذكوري ومتخلف- على احتفائها بالحياة وصدم المفاهيم الذكورية إلخ.
طبعًا كل الكلام دا #أمباليه، وخاصة فيما يخص صدم المفاهيم الذكورية، صباح ما كانتش نسوية ولا راديكالية، كانت ست خاضعة لمنطق مجتمعها خضوع كلي وتام، ظهرت طوال الوقت في صورة الأنثى التي تبحث عن ذكر، وكانت في بعض الأحيان، وبخاصة في الستينات –نفتكر مثلًا فيلم الرجل الثاني- رمزًا للأنوثة السهلة المنال، كانت صباح دائمًا وصورتها المُصدرة عبر مجتمع الفرجة، صورتها اللي بتتباع زي أي سلعة إعلامية، هي صورة الأنثى الخاضعة لذكر، كانت لا تصدم المجتمع الذكوري في أي شيء، بل كانت تجسيدًا لمقولة "ضل راجل ولا ضل حيطة".
السخرية من عُمر صباح ما كانتش في الحقيقة بسبب عمرها، كانت بسبب صورة ذهنية ساهمت هي في تشكيلها بعد إفلاسها الفني التام وضياع صوتها بعد فيلمها ليلة بكى فيها القمر، الصورة دي توافقت مع فترة اجترار الذكريات اللي تزامنت مع جمود المجتمع المصري في بداية الحقبة المباركية في بداية 1980ات، كانت صباح وهي يادوبك في الخمسينات من عمرها، رمز للعجوز المتصابية، الرمز دا ساهمت هي فيه شخصيًا لتبقى في مجال الضوء، لتبقى ديڤا ولتبقى في ذهن بعض كتبة الأشياء حافظي الجمل المُعلبة محتفية –لا مؤاخذة- بالحياة.
كانت صباح محتفية بالحياة، الحياة الزائفة اللي كلها قزاز بنور بيملع ع الفاضي، الحياة تحت الضوء الوهمي للنجومية المنتهية، الحياة التي تكرس جمل محفوظة زي البلاستيك المنسوخ، عن الجمال وخفافيش الظلام اللي مش عاوزين الناس تستمتع، الحياة دي اللي بتتكلف 10 آلآف دولار مثلًا في ليلة لمجرد التزين والبهرجة، لأن العطار ما بيصلحش اللي بيهده الزمن، الحياة اللي بتحتفي بيها الست نادية الجندي، المُصرة إنها نجمة الجماهير وهي جاوزت الستين.
بالنسبة للشباب اللي بيرددوا جملة "الاحتفاء بالحياة"، ودول غير كبار السن اللي بيرددوها كصدمة طبيعية لما بيموت فنان من جيلهم وبيحسوا معاه إن عمرها انقضى، فيه نمط خفي للتمسك بالحياة دا، لكن لا هُما بيشوفوه ولا عاوزين يشوفوه، نمط شعبي بتقوم فيه الست الصبح تفتح الكشك وهي متجاوزة السبعين وحيلها مهدود، وبيقوم فيه جوزها يتعكز عليها، نمط مفيهوش وفرة مالية تخليها تسكن شاطئ ولا تروح سپا، نمط آخر متمسك بالحياة ومحتفي بيها عشان ما عندوش غيرها، بالنسبة للسادة اللي بيكرسوا أمثال صباح كمحتفية بالحياة، النمط دا هما غافلين عنه أو بالأصح مش عاوزين يشوفوه، ولو شافوه هيبدأوا يلعنوا ظروفه قبل ما يفهموه، وهيبدأوا ينظروا على صاحباته، لأنهن مش ديڤات ولا نجمات مجتمع، وهتخرج منهم كلمة عابوا ع اللي كانوا بيقولوها على صباح بس بتعبير مختلف "مش ترتاحي يا حاجة وتبطلي شغل"، لكن الحاجة لو قادرة ترتاح زي الست صباح كانت ارتاحت، ولو قادرة تدفع كام ألف عشان تشد كانت شدت وشها، هي برضه عاوزة تحتفي بلامؤاخذة الحياة لكن مش قادرة.
يمكن صباح كانت بتحتفي بالحياة، مش عارف أنهي حياة الحقيقة أصل الحيوات كتير، لكنها كان لازم تموت كديڤا من بدري، مش كإنسان، جملة  "ما هو لسه صباح عايشة" واللي عاب بعض أولاد الوهم والزيف على قائليها وشتموا فيهم بجمل زي "يا ولاد المرة" –وهما بعدها بيقولوا مجتمع ذكوري ومتخلف خد بالك، كأن هما مش ولاد مرة واتولدوا بمعجزة سماوية من أب وحيد الخلية لا له ست ولا صاحبة- ما كانتش موجهة للإنسان، وإلا كانت وجهت لشادية مثلًا، اللي ما حدش يعرف هي بتتجوز ولا تطلق ولا يعرف أي حاجة عن حياتها الشخصية، على عكس صباح اللي كانت حياتها الشخصية سلعة إعلامية تُباع وتشترى، الجملة كانت موجهة لهذا المسخ الإعلامي اللي شبه الزومبي مش للإنسان.

طبعًا دا كلام مش هيفهمه أولاد الزيف والكذب والأفكار المُعلبة، المرتزقة ببيع الكلام المُعاد، هما عندهم نمط تفكير وتفسير جاهز، صباح بتحتفي بالحياة، فيروز جارة القمر، والستينات زمن الفن الجميل والتسعينات نوستالجيا وحاجة زي الفل وأنا وإنت ورقصني يا جدع على جملة ونص.